تخطى إلى المحتوى

قرينة البراءة وحدودها في التعيينات العامة – مازن نصرالدين

mazen nassereddine

تُعدّ الثقة العامة بالدولة ممرّاً إلزامياً لاستقرار المجتمع واستمرار شرعية الحكم، فالدولة، بوصفها كياناً سياسياً وقانونياً، لا تقوم فقط على فرض تطبيق القوانين، بل على قبول المواطن بهذه القوانين وإيمانه بقدرتها على تمثيل مصالحه وحمايتها، والأهم، قدرتها على تحقيق العدالة بمفهومها الواسع.

الثقة العامة ليست معطى ثابتاً، بل بناءٌ تراكمي يتطلب التزاماً جدّياً بالحوكمة الرشيدة واحترام حقوق الناس، هي اعتقاد المواطن بأن مؤسّسات الدولة تعمل بشفافية، وتلتزم بأحكام العقد الاجتماعي، وتسعى لتحقيق الصالح العام لا المصالح الضيقة. هي علاقة متبادلة؛ فالدولة تحتاج إلى ثقة الناس لتنفيذ سياساتها دون اللجوء إلى العنف، والمواطن يحتاج إلى الثقة ليشعر بالأمان والانتماء.

فعندما تُمنح الامتيازات على أساس الولاءات لا الكفاءة، يتولّد شعورٌ بالظلم والغُربة يأسر الناس والمجتمع خلف قضبان الاضطراب والفوضى والخلل ويقوّض الإيمان بالشرعية؛ الحفاظ على الثقة العامة ليس ترفاً بل ضرورة وجودية لأية دولة تسعى للاستمرار والتطور والازدهار.

في لبنان، حيث تتشابك السياسة بالنفوذ، وحيث تُوزَّع المناصب العليا على أساس الولاءات والمحاصصات أكثر من الكفاءة والنزاهة، يُصبح تعيين الأشخاص الملاحَقين قضائياً في المواقع الحساسة اختباراً صارماً للمصداقية والقدرة على النهوض. فبينما يحمي القانون قرينة البراءة لكل فرد لم تتم إدانته بعد، تطلّ الإدارة العامة كأكثر من مجرد وظيفة، بل كمرآة للدولة أمام المواطنين، ومقياس للثقة العامة، وركيزة للحياة اليومية لكل من يتعامل مع المؤسّسات، ومؤشر على قوة القانون وسلطته ونجاح الحوكمة.

إن التعيين في منصب حساس مثل مدير عام الجمارك أو أي موقع استراتيجي آخر هو مسألة أخلاقية وقانونية في الوقت عينه. فالشخص الملاحَق ليس مجرد اسم في السجلات القضائية، بل يُمثل خطراً جدّياً على حياة المؤسّسة، وعلى قدرة الدولة على حماية الموارد العامة من أي استغلال أو انحراف. الإدارة العامة هنا ليست مكاناً للعمل الشخصي أو خدمة الولاءات، بل أمانة في رقبة الدولة أمام شعبها.

تؤكّد الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد (UNCAC)، التي انضم إليها وصدّق عليها لبنان، أن نُظُمَ التوظيف في القطاع العام يجب أن تقوم على الشفافية والكفاءة ومنع تضارب المصالح، خصوصاً في المناصب حيث البيئة خصبة لتفشّي الفساد. التعيين ليس مُجرّد مسألة قانونية شكلية تعتمد على غياب الحكم القضائي النهائي، بل هو اختبار لقدرة المؤسّسة على ممارسة سلطتها بنزاهة وحماية قراراتها من الشبهات وضمان أن مسارها يعكس اعتبارات الصالح العام قبل أي اعتبار آخر.

إما في الإطار القانوني الوطني، وعملاً بأحكام الدستور اللبناني الذي أناط بمجلس الوزراء بموجب المادة 65 منه صلاحيّة تعيين موظفي الدولة، والتزاماً بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع اللبنانيين في تولي الوظائف العامَّة، وتنفيذاً لأحكام المرسوم الاشتراعي الرقم 112 تاريخ 1959/6/12 (نظام الموظَّفين)، لا سيما تلك التي ترعى أصول التّعيين في وظائف الفئة الأولى، قرَّر مجلس الوزراء تبنّي آليَّة للتعيين في هذه الوظائف تهدف الى اعتماد معايير الشَّفافيّة والنزاهة والتجرد والكفاءة.

وقد نص مشروع آلية التعيينات الإدارية الذي شرع في درسه مجلس الوزراء تنفيذاً لقراره رقم 2 تاريخ 11/3/2010 المتعلق بتشكيل لجنة وزارية تُكلّف إعداد تقرير عن الطروحات والخيارات التي يمكن اعتمادها في التعيينات الادارية، ولدى الإشارة الى لوائح المرشحين للترفيع، على ما يلي:

"تودع هذه اللوائح كلا من ديوان المحاسبة، التفتيش المركزي، الهيئة العليا للتأديب بتاريخ واحد، لبيان ما اذا كان اي من هؤلاء الموظفين قد صدر بحقه عقوبة عن اي من هذه الهيئات، او انه محال حاليا على اي من هذه الهيئات مع بيان مرجع الاحالة."

فإذا كانت الإحالة إلى هيئة تأديبية يُمكن أن تُشكّل مانعاً من التعيين فما هو حال المرشح للترفيع الملاحق قضائياً؟

إلى جانب الدستور والقانون وآلية التعيينات، هناك مجموعة من القوانين الداعمة للشفافية والمُساءلة كقانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28 لسنة 2017 الذي يضمن مراقبة المجتمع للإدارة العامة ويضع التعيينات في المناصب العليا تحت رقابة المواطنين، وقانون حماية كاشفي الفساد رقم 83 لسنة 2018 الذي يوفر حماية للمبلغين عن المخالفات ويعزز ثقافة المراقبة والشفافية، وقانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع رقم 189 لسنة 2020 الذي يفرض على الموظفين الإدلاء بتصاريح عن أصولهم وممتلكاتهم ومصالحهم لضمان عدم وجود شبهة فساد.

فالمعيار لا يقتصر على غياب الحكم القضائي، بل يشتمل على القدرة على ممارسة الوظيفة بنزاهة وحياد بعيداً عن الولاءات والمصالح الخاصة، وعلى ضرورة حماية المرفق العام من أية شبهات قد تعصف به. إن تجاهل هذه المعايير يُرسّخ ثقافة الفساد والارتهان لأصحاب النفوذ، حيث تتحول التعيينات من أداة لخدمة الناس إلى أداة لخدمة وحماية الولاءات السياسية.

في المقابل، تُساهم الإدارة التي تختار من يتصف بالنزاهة والكفاءة والمناعة أمام الشبهات بتعزيز مصداقية الدولة، وتُمكّن موظفيها من أداء واجباتهم ومهامهم بفعالية، وتبعث رسالة قوية للمجتمع بأن القانون فوق الجميع، ذلك أن الامتناع عن تعيين الأشخاص الملاحَقين قضائياً ليس عقوبة مُسبقة، بل هو تدبير احترازي مشروع لحماية المرفق العام وصون نزاهة المؤسّسة، وأي تجاهل لهذا المبدأ ليس خطأً إدارياً فحسب، بل هو إخلال بالواجب الأخلاقي تجاه المواطنين يُفقد الدولة أهم أدواتها في بناء الثقة واستعادة مصداقيتها.

المسؤولية من هذا المنظار ليست قانونية فحسب، إنما أخلاقية واجتماعية وإن أي تجاوز أو حيد عنها يُضعف الدولة ويجعلها فريسة للشك والفساد، ويضعف ثقة المجتمع في قدرة مؤسساتها على حماية الحقوق.

الإدارة العامة هي مقياس حيّ لقدرة الدولة على حماية المجتمع وتحقيق العدالة، وصون مصالح المواطنين، وكل تهاون في معايير النزاهة والكفاءة والبعد عن الشبهات في التعيينات ينعكس مباشرةً على مصداقيتها وفعالية مؤسساتها، ويحوّل الوظيفة العامة من موقعٍ إلى آخر تطفو على وجهه المحسوبيات وتتمزّق في عمقه مقتضيات المحاسبة والمُساءلة.

إن تعيين مدير عام للجمارك مُلاحق قضائياً ليس مُجرّد مسألة فردية أو منفصلة عن واقع الفشل المُزمن والمرير في النهوض بالدولة، بل هو إشارة واضحة إلى عدم صحّة منظومة الحكم بأكملها واعتلالها.

الحكومة اليوم أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية تستلزم إعادة النظر بهذا التعيين والرجوع عنه، لتُثبت أنها الحارس الأمين للمرفق العام والملاذ الآمن لحقوق الناس؛ وهذا ليس خياراً سياسياً، بل هو خيار بنيويّ يُشكّل العمود الفقري الذي تقوم عليه الدولة والرافعة التي تُعيد تعريف مفهوم الثقة بين المواطن والسلطة.

المحامي مازن نصرالدين
منسّق العلاقات السياسية في تنظيم لحقّي
في 26/1/2026