قوى التغيير و مفترق الطرق لحقي

ميسم بوذياب - قوى التغيير ومفترق الطرق.

8 آب 2019

في تناقضات السياسة اللبنانية الداخلية و التي بجزء كبير منها هي انعكاسات لتناقضات السياسات الاقليمية و الدولية، يبقى الامل بالتغيير قائما مع القوى والمجموعات التي راكمت ونشطت و حاولت ولا تزال تحاول في كل المحطات المطلبية الاجتماعية و البيئية و غيرها، ان تبني خيارا نقيضا للنظام السياسي اللبناني برمته و بتناقضاته التي يجيد الافرقاء السياسيين استغلالها و دمجها بلعبة الطائفية لتكريس زعامتهم.

حققت المعارضة نجاحا مهما في الانتخابات النيابية الاخيرة، ان لجهة الخرق التي حققته أو لجهة حجم الأصوات التي نالتها في بعض المناطق، فالتغيير في بلد كلبنان يحتاج الى عمل تراكمي لعشرات السنين و اكثر، و ما من معارضة تمكنت من تحقيق تغيير جذري و تقدم ملموس في بلدانها خلال سنوات قليلة.

لكن هذا لا يعني أن نكيل المديح الدائم لما راكمته هذه المعارضة، بدل النقد البناء و الاجتهاد الفكري المتواصل لمعرفة مكامن الخلل و كيفية الوصول لشريحة اكبر من اللبنانيين بغية تشكيل معارضة وازنة، لذا تحمل السطور أدناه بعد الملاحظات المتواضعة، علها تساهم بدفع النقاش لتحسين الخطاب والأداء.

فالحقيقة أن قضايانا سواء بيئية، صحية، اجتماعية... هي قضايا سياسية بامتياز تحتاج نضالا سياسيا يتمكن من تحسين القوانين المتعلقة بها، و هذا ما ادركه العديد من القوى المعارضة وشرعت ببناء مشروع بديل سياسي، أما التي لم تتمكن من تحقيق ذلك، بقيت اسيرة مصطلح "المجتمع المدني"، و تنشط كجمعيات اجتماعية تحاول تحقيق أهداف مطلبية محددة.

إلا أن خوض معركة سياسية و انتهاج خطاب سياسي واضح، يحتم على تلك القوى التطرق لكافة المسائل من السياسة الداخلية الى الخارجية و تحديد شكل و هوية و سياسة الدولة التي يصبون إليها، فبظل الانقسامات الإقليمية و الدولية، و استحالة تحقيق الاكتفاء الذاتي، كما و استحالة تغيير العالم و ان كان الحلم بذلك مشروعا.. لا بد لأي حركة معارضة من تحديد الأسس لأي سياسة ستنتهجها و أي تحالفات استراتيجية ستنسجها ما ان وصلت الى السلطة.


و لربما صاغت العديد من القوى مبادئ سياسية واضحة و اعلنتها بوثائقها السياسة، لكن لا زالت بعض هذه المواقف غير مظهرة للناس بشكل كاف و ليست من اولوية الخطاب، فربما حاولت تجنب كأس الانقسام الدولي و انعكاساته الداخلية المرة، ظنا منها أنها بذلك تستطيع الوصول لشريحة أكبر من اللبنانيين.

غير ان هذه الضبابية يمكن ان تشكل حاجزا منع او يمنع مستقبلا الوصول لعدد أكبر من الناس، وذلك أن الانقسام الطائفي والمناطقي في لبنان واقع نحلم جميعا بتخطيه، لكن لا يمكن تخطيه بتجاهله و القفز فوقه، فالجماعات اللبنانية تعيش هاجس الخوف على الوجود والحفاظ على خصوصياتها و تقاليدها و ثقافتها، و الاحداث و الحروب القريبة جغرافيا، من العراق الى سوريا و غيرها، و زمنيا، بالعودة الى الحرب الاهلية والصراعات الاخيرة و الامها، تبقى الاسرع الى الذاكرة الجماعية من تخيل حياة الرفاهية في سويسرا أو السويد مثلا، فيستسلم اللبناني الى واقعه المثقل بالصعوبات و المحاصر بالنفايات و المخنوق بالتلوث و المهدد بالسلاح المتفلت، و يستسلم خوفا من الاسوأ، و يجدد للقوى الموجودة و التي يعتبرها قادرة على الاقل على حماية وجوده. و طبعا لن يتمكن المواطن في ظل هذا الجنون الطوائفي و المذهبي من هزيمة تلك الهواجس دون الوثوق ببديل سياسي جدي واضح المعالم والتوجهات.

و لو اننا نعلم ان خلافات قوى السلطة في معظم الأحيان يقوي و يرسخ سلطتهم، كل في طائفته، و الكثير منه خلاف غير جذري سببه تقاسم الحصص، ليعودوا و يتفقوا بعدها و ينهشوا سويا ما تبقى من موارد الدولة. إلا أنه، و بناء على ما تقدم، يفرض انتهاج العمل السياسي على أي قوة تغييرية التعامل مع الأحداث السياسية بواقعية أكثر و ليس دوما بالتعميم، دون الخوف من تقاطع في الاراء او في النظرة الاستراتيجية مع بعض أطراف السلطة،   فمثلا شعار "كلن يعني كلن" الذي كان ممتازا في توصيف حالة الفساد و اقتسام السلطة، لا يمكن استعماله و إسقاطه على كل مفاصل الحياة السياسية.

لذا فحين تكون قوى التغيير، و يجب ان تكون دوما، الى جانب الحرية المهددة اليوم، لانها العامود الفقري التي يمكّنها من النهوض و الاستمرار، و حين تقف مع حق الشعوب وبالحرية و الديمقراطية في وجه الأنظمة العبثية الشمولية وفظائعها، عليها أن تترجم هذا الموقف بوضوح في الداخل اللبناني الذي يعاني من هيمنة واضحة لقوى أمر واقع و حلفائها المحليين و الإقليميين و ترسانتها العسكرية، التي تتخطى الدستور و القانون، مما يشكل عقبة اساسية في محاربة الفساد وبناء دولة مؤسسات، خاصة و ان تلك القوى تتفرد بقرار الحرب و تشارك بحروب هنا و تدعم انظمة هناك، و تضيق على الحريات مما يهدد بالعودة الى نظام امني خانق ربما يقضي على امكانية اي معارضة.

ختاما و بغض النظر عن الوسائل الممكنة للتغيير، سواء بالتمسك بخطاب لا شعبوي او بالنضال لتحقيق اللامركزية  و ربما العمل أكثر على صعيد البلديات لمراكمة إنجازات محلية و التقرب أكثر من الناس... او غيرها من التكتيكات، الا ان تحقيق التغيير السياسي سلميا يتطلب جمع اكثرية شعبية وازنة من كافة المناطق، لايصال اكثرية نيابية، و لجمع هذه الاكثرية لا بد من خطاب سياسي واضح المعالم والتوجهات.

 

اضف انه ليس من الضرورة أن تكون هذه القوى المعارضة موحدة، فهذا شبيه ببدعة الديمقراطية التوافقية التي تنتهجها السلطة، فلربما كان هناك معارضتان أو أكثر تتلاقيان على أهداف معينة كبناء دولة مؤسسات و محاربة الفساد...و لو اختلفت حول السياسة الخارجية و تموضع تلك الدولة المراد الوصول إليها.

تابعوا ميسم بوذياب على موقع تويتر.

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل