سامر العياش - الـcryptocurrency والبدايات الجديدة.

5 آب 2019

 

اذا سألت مترجم غوغل عنها سيقول انها "العملة المعماة". لكني أحب وقع الكلمة على الاذن - cryptocurrency - حيث تذكرنا بالكريبتونايت، الحجر الكوني الذي يمكنه ان يقضي على بطل طفولتنا الخارق: سوبرمان - قبل ان يمطرنا ستان لي وغيره بعشرات الابطال الخارقين. أحب ان اوافق مبتكري الـBitcoin ان عملتهم هي الكريبتونايت الجديد للرأسمالية والنظام المصرفي العالمي بعد سنوات من انهيار الكريبتونايت الاحمر القادم من المعسكر الاشتراكي، لكني اخشى ان هذا النوع من التفكير الرغبي أو التمنّوي (wishful thinking) لا ينجح عادة، ولو كان يحمل بعض جوانب الحقيقة.

 

لكن مهلاً، كيف بلغنا هذه المرحلة!!

 

مع المجموعات البشرية الاولى التي كانت تعتاش من الصيد وجمع المأكولات من الطبيعة، وكانت كالبدو الرحل تنتقل من منطقة الى اخرى، كانت مجموعات صغيرة، لم تحتج لأكثر مما تجنيه، لهذا لم يحتج ذاك الانسان لاي شكل من اشكال التبادل – سوى تبادل الخدمات مع باقي افراد المجموعة نفسها.

 

لاحقاً – اي منذ حوالي 12000 سنة بدأت الثورة الزراعية، فبدأت المجموعات البشرية تتحول الى مجمعات اكبر عدداً واكثر استقراراً، تعتاش من محاصيلها الزراعية والحيوانات التي تربيها. وبدأت الحاجة الى تبادل السلع بين المجتمعات المختلفة او بين افراد المجتمع نفسه – ليمونك مقابل قمحي. مع مرور العقود والقرون عملية التبادل باتت أكثر تعقيداً، فجدتي لا تريد الليمون مقابل القمح، بل تريد الجلود، وصاحب الجلود يريد التفاح، وصاحب التفاح يريد الليمون لكن الذي تنتجه منطقة أخرى غير منطقتك، الخ. وكيف يمكن تحديد قيمة عمليات التبادل؟ كم من الليمون عليك ان تبادلي كي تحصلي على مقدار رغيف من الخبز؟ فلم يعد للتبادل البسيط من مكان، انما هذه العملية المعقدة أفرزت الحاجة الى نظام تبادل جديد. نظام مرجعي يمكنه ان يوحِّد قيمة عمليات التبادل. كانت العملات الاولى لا تعدو اكتر من حبات فول او اصداف بحرية او احجار طبيعية او اي مادة يتفق مجتمع ما بجعلها ذات قيمة مرجعية.

 

مع تطور المجتمعات وبدء ظهور الممالك، ومع ظهور وتطور الكتابة سيما في منطقة بلاد الشام وما بين النهرين بدأ صك العملة التي باتت تحمل اسم المملكة وبالتالي ترمز لضمانة المملكة تلك لهذه العملة، والثقة بقيمة العملة تحددها قوة المملكة نفسها. وقد لعبت الممالك والدول التي كانت قائمة في بلاد الشام وبين النهرين والحوض النيل، لعبت الدور الرئيس في جعل الذهب هو المعدن المفضل وذات القيمة المرجعية، وباتت كافة التعاملات حول العالم القديم تتم بواسطة هذه المادة بأشكالها المختلفة.

 

إبان الحروب الصليبية أوجد فرسان الهيكل نظاماً لنقل الاموال بين اوروبا والاراضي المقدسة. وباتت قصاصة ورق - تحمل ختماً مميزاً – ترمز الى الذهب، ويحصل عليها من يودع ذهبه لدى فرسان الهيكل في الفاتيكان قبل السفر الى الاراضي المقدسة، ليحصل عليه لاحقاً بعد وصوله. هذا النظام هو الذي تطور بعد عقود قليلة الى مصارف لإيداع الذهب، ثم الى ظهور تلك الاوراق المطبوعة المسماة "بنكنوت". لاحقاً حلت العملة الورقية – التي بدورها شكل جديد من البنكنوت – لتحل محل المعادن المسكوكة في التعاملات اليومية. بعد ان كان البنكنوت يرمز الى امتلاك الفرد للذهب، باتت الدول نفسها وحصرياً تمتلك الذهب وترمز له بالعملة الورقية.

 

وعوض ان يكون الذهب هو القيمة المرجعية للتعاملات بين افراد المجتمع، باتت تلك الورقة الملونة - التي تحمل ارقاماً ورموزاً مختلفة – هي القيمة المرجعية حتى عند شراء الذهب نفسه. بينما العملة الورقية نفسها تتحدد قيمتها بحسب كمية الذهب الذي تمتلكه الحكومة. ما هي الا سنوات قليلة حتى اختصرنا التعامل بالأوراق المطبوعة الملونة - المسماة عملة ورقية – لنستبدلها بقصاصات ورقية مطبوعة تحمل اسمنا وكتاباتنا وتوقيعنا واسميناها شيكات. فأوراق البنكنوت كانت للدلالة إلى امتلاكنا الذهب، فبات الشيك للدلالة إلى امتلاكنا الورق. حتى الشيك استغنينا عنه بشكل كبير في تعاملاتنا اليومية لصالح بطاقة ممغنطة ومشفرة. واليوم نستغني أكثر عن هذه البطاقة لصالح مصرف افتراضي نتحكم به عبر بعض "الكبسات" على حاسوبنا او هاتفنا الذكي لنتمم كل حاجاتنا. ليبلغ ما نملكه في السجلات اضعاف الأموال السائلة – تقدر السيولة في العالم 5 من اصل 80 تريليون دولار.

 

لم يتوقف الامر عند هذا الحد، ما دام أكثر من 90% من الأموال هي افتراضية، موجودة فقط في سجلات المصارف التجارية والمصارف المركزية والحكومات، فلم لا نرفع التحدي؟ وما دامت الحكومات تصدر العملات، فلم لا يحق للناس، للعموم بإصدار عملتهم بأنفسهم؟ وهكذا كانت الـcryptocurrency...

 

هذا المسار الذي بدأ مع الفرد الذي ينتج سلعته ليبادلها، ثم المجتمع الذي انتج عملته المعدنية كقيمة مرجعية، ثم الدول والحكومات التي أصدرت عملاتها الورقية مقابل أطنان من الذهب المخزّن، لتصبح لاحقاً قيمة العملة مرتبطة بقوة الدول الاقتصادية والعسكرية والسياسية بغض النظر عما تخزّنه من ثروات في مصارفها المركزية. وأصبح حجم ثروة الدول ما هو مسجّل في دفاترها عوض مساحتها والأراضي التي تحتلها والثروات التي تختزنها. هذا المسار ينتهي بالعودة للبداية حيث ينتج الفرد عملته بنفسه ويحدد قيمتها بمعزل تماماً عن الذهب او الدفاتر والسجلات او القوة السياسية والاقتصادية، يحدد قيمتها بالاستناد إلى عنصر وحيد وهو: العرض والطلب.

 

وفي حين كانت العملات بكافة اشكالها (سلعة، ذهب، ورقة، او دفترية) هي وسائط تبادل للسلع المادية (مأكل، ملبس، الخ.) أو ذات قيمة المعنوية (تعليم، لوحة فنية، تسجيل موسيقي، الخ.)، فحتى الآن إن العملة الافتراضية – الـcryptocurrency – هي عملة اللا-مادة.

 

مسار آخر لا بد من النظر فيه هو مبدأ الليبيرالية السحري: العرض والطلب. البداية كانت مع التفاوض المباشر بين الافراد – قمحك مقابل تفاحي – والذي يحدد قيمة التبادل هو الرغبة وحاجة كل طرف لمنتج الآخر. هذا النظام نفسه انتقل إلى الأسواق العامة (البازار، الحراج...) ذلك مع تطور المجتمعات وتطور نظام التبادل ودخول العملات الأولى، واستمر هذا النظام إلى يومنا هذا في مختلف أنحاء العالم حيث لا نزال نزور تلك الأسواق لقضاء حاجياتنا ولا تزال "مسرحيات" الجدال و"المحارجة" تتكرر بين البائع والشاري، لكنها اليوم: السلعة مقابل المال. على مستوى اعلى، اوجدت الرأسمالية ما يشبه البازار وأسمته: بورصة. رغم انه يصعب التمييز الزمني، لكن يمكن تمييز عدة اشكال من "البورصة" بحسب طبيعتها.
  • اولاً: هناك البورصة التي تتعامل مع السلع المادية بشكل مباشر: بن، معادن، نفط، قطن، الخ... هذا النوع حافظ على مبدأ "العرض والطلب" في تحديد أسعار السلع.
  • لكننا لم نكتف، فخلقنا مفهوم "الأسهم" للشركات وقررنا المتاجرة بها في البورصة. فكانت وسيلة مميزة ومبتكرة لإيجاد التمويل اللازم لمشاريع وتوسيعات مستقبلية. حتى انها كانت السبب الرئيسي لتمويل بعثات اكتشاف "العالم الحديث". لكن هذا النوع من البورصة لم يعد مرتبط تماماً بمفهوم العرض والطلب، انما استبدله بالثقة والسمعة والرهان على المستقبل. يكفي ان تحافظ Enron على سمعة حسنة حتى تحقق أسهمها ارتفاعاً في البورصة بينما الشركة تخسر مليار دولار. أو ان تخسر سامسونغ او تويوتا من قيمة أسهمها أكثر مما خسرته باستبدالها كافة منتجاتها المعطوبة. أو ان تحقق شركة ما ارباحاً من ارتفاع أسهمها اكثر مما تحققه من بيع منتجاتها. لكن هذه البورصة ارتبطت بشركات لها موجودات ما، وتقدم سلعة او خدمة ما.
  • الحاجة الى المزيد من الأرباح دفعتنا الى ما دفع مبدأي: العرض الطلب، والثقة والسمعة، الى مستوى جديد، حين وضعنا أسهم شركات الخدمات المالية تحديداً في البورصة. فهذه الشركات لا تملك أي موجودات، كالمصارف: املاكها ليست لها انما للمودعين. أو شركات التأمين: وجودها ومصلحتها تتعارض تماماً مع الخدمة/السلعة التي تبيعها والتي هي علة وجودها. ان حجم وتعقيد المنظومة التي تربط وتحكم هذا النوع من الشركات تجعلها اكبر بكثير من ان تتحطم، رغم ما قد يواجهها من أزمات مالية وخسائر، الا أن المنظومة نفسها لا تنهار – حتى الآن. فثقة الساعين الى الثروة بالمنظومة نفسها هي ما يجعل اسهم هذه الشركات مرغوبة ومغرية، ومرة أخرى القصة تتكرر: عرض وطلب، ثقة وسمعة مدفوعين برغبة تحقيق أرباح سريعة. في 2008 هذه المنظومة تحولت إلى فقاعة كبيرة وأدت إلى أسوأ ازمة اقتصادية منذ ركود الـ1929، لكنها لم تنهار.

 

البورصة حتى الآن كانت مركزية، تخضع لإشراف حكومي او هيئات ناظمة، لها قوانين واضحة ومحاكم ومرجعيات، وإن اختلفت اشكال التداول. مع الـcryptocurrency بلغت البورصة مستوى لم يسبق لها، فعاد التبادل الى صيغته الأولى: من فرد الى فرد. يكفي ان تمتلك(ي) جهاز كمبيوتر موصول الى الكهرباء والانترنيت حتى تنتج(ي) اموالك بنفسك وتخرج(ين) الى احدى منصات التداول الافتراضي لتبيع(ي) هذه الأموال - كما كان جدودنا الأوائل ينتجون مزروعاتهم ويبيعونها في الأسواق. البورصة التي تتداول بأسعار سلع مادية و\أو تعكس حجم الثقة بالشركات نفسها و\أو الثقة بالمنظومة ككل باتت تتداول باللا-سلعة، اللا-مادة، اللا-منظومة، لا تحكمها قوانين أو أنظمة او محاكم، لا تحميها اقتصاديات ولا قوى سياسية ولا عسكرية، لا شيء فيها يحدد قيمة الـcryptocurrency سوى رغبة الشاري بامتلاك "فكرة مجردة"، رقم في احدى تطبيقات الهاتف الذكي.

 

لكن.. هل حقاً الـcryptocurrency هي عملة اللا-سلعة؟

 

منذ 12 الف سنة بدأت الثورة الزراعية من الشرق الاوسط فأنتجت زراعاتها وعملاتها ومنتجاتها وافكارها (على شكل اديان سماوية) وممالكها واقطاعياتها وعبيدها وارستقراطييها، نتائج هذه الثورة لا تزال حية وماثلة رغم انها ليست المهيمنة.

 

منذ 500 سنة بدأ عصر الانوار في أوروبا واكتشاف العالم الجديد، ليتوَّج بالثورة الصناعية منذ 200 سنة، فأنتجت صناعاتها وتقنياتها وعملاتها ونظامها المالي وافكارها (على شكل عقائد وايديولوجيات: ليبيرالية \ اشتراكية \ ديمقراطية \ ديكتاتورية \ الخ.) وجمهورياتها وبورجوازييها وعمالها ورأسمالييها، ولا تزال نتائج هذه الثورة هي الأكثر طغياناً وتأثيراً على حياتنا.

 

منذ عقدين او اكثر قليلاً نحن نعيش عصر ثورة الاتصالات والمعلوماتية، التي بدأت تفرز خصائصها المختلفة والمميزة عن العصر السابق، فالعالم الذي يصبح اصغر تتغير فيه نظم التجارة والصناعة والاقتصاد، بات اكثر واسرع تفاعلاً مع التطورات والتغيرات السريعة. ورغم عدم تبلور أفكار جديدة تطبع هذا العصر، إلا أننا نشهد موت عقائد عصر الثورة الصناعية، كما شهدنا إبان الثورة الصناعية موت العقائد التي سبقت. لم ينتج هذا العصر طبقاته بعد، لكن المصادر الرئيسية للثراء اختلفت، من الأراضي الزراعية مع الاقطاعيين، الى الصناعة مع البرجوازيين، الى البرمجيات اليوم – يكفي ان ندرك ان Facebook  وGoogle وMicrosoft ليسوا سوى برمجيات. وفي حين ان بعض هذه البرمجيات يقدم خدماته مجاناً، لنستنتج ان المنتَج الحقيقي لهذه البرمجيات، ومصدر المال ليس سوى البيانات (الـdata). وكما انتقلنا من السلع إلى الذهب إلى الورق إلى السجلات والدفاتر كعملات لتبادل السلع المادية والخدمات، يمكن ان تكون الـcryptocurrency هي عملة المستقبل القريب.

 

اذا ما استمر هذا، فإننا حتماً سنشهد في العقود القليلة القادمة تغيراً كبيراً في الأنظمة السياسية والمالية والاقتصادية. سنشهد عالماً اصغر، اكثر تأثراً وتفاعلاً، تقل فيه الخصوصيات والتمايزات الثقافية والحضارية، تحكمه برمجيات الذكاء الاصطناعي وتغذيهم البيانات وعملته الـcryptocurrency. عالم سيكون البشر فيه هم "البكتيريا" المنتجة لهذه البيانات.

 

لكن لا شيء يشير ان النظام الجديد سيكون أكثر عدلاً أو ان البشر سيكونون اكثر سعادة – اقله لن يكون كذلك بشكل تلقائي، ما لم يدرك البشر هذا المسار وما لم يدرك البشر أن من واجبهم تحسين الأرض وتحسين مستوى ونوعية الحياة على كوكب الأرض – او ربما على كواكب أخرى – وكأنها منزل جبلي مخصص لإجازة صيفية طويلة – ولهذا كلام آخر.

تابعوا سامر العياش على موقع تويتر.