ماهر أبو شقرا - على ضفاف التساؤلات تنبعث الثورة من جديد

ماهر أبو شقرا
28 كانون اول 2019

 

الواقعية شيء مقيت في اللحظة الثورية، وفكرة منبوذة. أعتنق هذه المقولة، وأضيف إليها أن التغيير يأتي من خلال مغامرات غير محسوبة. في لحظات معينة نتمسك بالأمل أكثر من أي شيء آخر، كإيمان أو كإكتشاف، ونقاتل من أجله. قد نحبط أحياناً، غير أن هذا الإدمان على الأمل هو في صلب تكويننا النفسي، ومن دونه ما من تغيير، وما من معنى للحياة.

سأعيد طرح تصوري لمسار الثورة والواقع. وإذا كنت قد طرحت هذا التصور في عدة لقاءات خلال الثورة، فإن الوقت يومها لم يكن مناسباً لنقاشه. اليوم هو الوقت الأكثر ملاءمة في ظل التطورات الحاصلة والتساؤلات الكثيرة.

الثورة صنعها الناس ولاقتهم المجموعات السياسية

نجحت الثورة نتيجة تلاقي المسار الدستوري الذي تطرحه المجموعات السياسية بالمسار المعيشي الذي يطرحه الناس. الناس طرحت المشكلة: الضرائب الجائرة والأزمة المعيشية، والمجموعات السياسية طرحت الحل: إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة مستقلة مؤقتة بصلاحيات إستثنائية تخرج البلاد من الأزمة، تعزز استقلالية القضاء ليقوم بالمحاسبة، وتجري انتخابات نيابية مبكرة ترحل بالطاقم القديم.

لطالما كانت احتجاجات الجسم الشعبي تُواجه بسؤال أساسي: ما الحل؟ قدمت المجموعات السياسية الحل فتمسك به الناس ورددوه. وإن هذا الالتقاء بين المسار الدستوري الذي تمسكت به المجموعات السياسية والمسار الشعبي الذي انتفضت على أساسه الناس أعطى الثورة زخماً رهيباً، إنما أعطى المجموعات السياسية ثقة مبالغاً فيها حول تقدير قدرتها الذاتية وحول القدرة على التأثير في مسار الثورة. وإن غرف التنسيق بين المجموعات سرعان ما تحولت إلى فقاعات منفصلة عن الشارع والناس، غارقة ببحث كيفية إعادة الزخم للشارع الشعبي الذي أصبح في مكان آخر.
إنتهى الزواج المؤقت بين المجموعات السياسية والناس.

وإن المسار السياسي للمجموعات الذي لاقى المسار الشعبي الاحتجاجي في لحظة ثورية، عاد وافترق عنه بعد استقالة الحكومة: المجموعات السياسية متشبثة بالمسار الدستوري، بينما الناس أمسوا أكثر اهتماماً بالوضع الاقتصادي والمعيشي الضاغط، وأكثر استعداداً لتقديم التنازلات في السياسة مقابل رفع السقف في القضايا الأساسية المتعلقة بمعيشتهم وأوضاعهم الاقتصادية والمعيشية. والثورة إذا حافظت على خطابها وخسرت الناس لا تبقى ثورة.

 

ما العمل؟

هناك حقبة من الترقب والمراوحة والتخبط سادت منذ سقوط الحكومة، وهي مستمرة اليوم. وإذا كانت الثورة قد استخدمت أدوات فعالة لإسقاط الحكومة في الشارع، فإن نفس الأدوات لا تصلح لهذه المرحلة. إن حال المراوحة والترقب هذا من المحتمل جداً أن يستمر خصوصاً إذا تم تشكيل حكومة، إذ أن المزاج الشعبي سيميل إلى إعطاء الحكومة الجديدة فرصة وإلى "التمسّك اليائس" بأمل بالخلاص والحلول للأزمة التي يعيش وسطها الناس. إن هذه الحقبة لن تكون ملائمة للحشد بالأعداد التي ملأت الساحات في الفترة السابقة، إنما هي الفترة المناسبة حتماً لاستخدام أدوات أخرى، ريثما تشتعل الانتفاضة من جديد. فمن المرجح أن أية حكومة قادمة سوف لن تقوم بتغيير جذري بالسياسات الاقتصادية، وسوف لن يكون هنالك تغييراً جذرياً في السياسة المالية. وإن البلاد على الأرجح ستكون على موعد مع انتفاضة جديدة احتجاجاً على الوضع المعيشي الذي قد يكون في أسوأ أحواله مع احتمالات الانهيار والنزوح العكسي إلى الأرياف والتحديات الاجتماعية والاقتصادية المترافقة معه.

إن النقاط المذكورة أدناه أراها مهاماً مطلوبة منا كمنظِّين/ات وناشطين وناشطات في المجموعات والتنظيمات المنخرطة في هذه الثورة.

1- تصويب وجهة الخطاب السياسي:
ثمة جهود كبيرة تقوم بها المنظمات والتجمعات القاعدية، ومنها لحقي، من أجل إبقاء الارتباط بالأرض والناس حياً عبر تغيير جوهري في وجهة الخطاب السياسي ليكون مرتبطاً بقضايا الناس وبمعاناتهم في ظل النظام الاقتصادي-السياسي اللبناني. فالمطلوب اليوم هو ملاقاة الخطاب الشعبي، وتقديم سلة إجابات على هواجس الناس وليس على هواجس الغرف المغلقة. التخلي الكامل عن الأهداف التي طرحتها الثورة في بدايتها ليس هو المطلوب، إنما المطلوب هو وضع عربة خطاب الحلول خلف أحصنة القضايا المعيشية والخطاب الاقتصادي-الاجتماعي المرتبط بالناس. أي أن ينطلق الخطاب من القضايا المعيشية المرتبطة بالناس وصولاً إلى بلورة حلّ، جذري أو مرحلي، بدلاً من الحلقة المفرغة الدستورية التي يدور فيها الخطاب السياسي الحالي للمجموعات السياسية. فقد أصبح وكأن المشكلة هي عدم تشكيل الحكومة وأمسى تشكيل الحكومة هدفاً قائماً بذاته بدلاً من أن يكون الهدف هو إنهاء الوضع المأساوي الذي يعيش فيه معظم الناس.

2-تحديد واضح للخصوم:
تبني القوى السياسية المهيمنة في لبنان معظم خطابها السياسي على منطق الخصومة، وتلك الخصومة هي في معظم الأحيان هي خصومة وهمية لا علاقة بمصالح الناس الفعلية. غير أن منطق الخصومة يسهّل تجييش الناس. وبعد إسقاط الحكومة بجميع أقطابها، فإن الثورة التي وجهت سهامها نحو الحكومة التي تتمثل فيها جميع أقطاب المنظومة الحاكمة، قد فقدت خصمها وبالتالي فقدت قدرتها على التجييش ضد خصم جامع. غير أن الذي يفهم النظام اللبناني جيداً يدرك أن الجهة المعادية للناس هي تحالف الأوليغارشية الحاكمة والقطاع المصرفي وكبار المحتكرين. وكانت الحكومة تخوض بالوكالة معركة هذا النظام مع الناس. إذن، لقد انتقلت المواجهة إلى مستوى أعمق بعد أن سقطت الأقنعة، وبالتالي فإن التصويب اليوم يجب أن يذهب نحو أدوات هذا التحالف الاقتصادية والسياسية ومؤسساته: المجالس والإدارات الموازية للحكومة، مصرف لبنان، المصارف الخاصة، والكارتيلات الاحتكارية. وبالتالي حملات المقاطعة والعصيان والعمل المباشر يجب أن يتركز على هذه المرافق.

3-التنظيم
لقد كان الخطاب السائد في شارع الثورة، عندما يتم الحديث عن تنظيم الثورة وكيفية قيادتها وتوجيهها، أن قوة هذه الثورة هي في عفويتها ولا مركزيتها. وهذا كان حتماً هو الصواب، لا سيما في المراحل الأولى التي كان التركيز فيها على استنهاض الشارع من أجل إسقاط الحكومة. غير أن الثورة موجات، مدّ فارتفاع ومن ثم انحسار. وإن مرحلة انحسار الموج الثوري هي مرحلة التنظيم والبناء الذاتي. وهذه هي الفترة التي نعيش فيها اليوم. لكن عن أي تنظيم نتحدث وعن أي قيادة؟ هل سنسمح بأن تتشكل قيادة من مجموعات لا تمثل سوى صدى أفكارها؟ أم نريد قيادة تمثيلية حقيقية لأجسام قطاعية ومناطقية ذات وجود مادي في الواقع وعلى الأرض؟ من المهام الملقاة على عاتق الثورة هي تفتيت وفضح جميع النزوعات النخبوية التي تضج بصدى أفكارها وتضج بها جدران الغرف المغلقة. إذن، الانتظام القاعدي على أسس مناطقية وقطاعية هو من المهام الملحة أمام الثورة اليوم. إستعادة النقابات للناس، واستعادة الأحياء بعد الشوارع والساحات. فلتنظم القطاعات والمناطق نفسها نقابياً وقاعدياً ومن ثم نتحدث عن قيادة. قيادة منطلقة من هذا الانتظام القاعدي، تربطه وتجمعه ولا تُسقط الإملاءات عليه.

4-المسيرات في الأحياء الشعبية
لكل مرحلة أدواتها. وإذا كان الحشد في الساحات هو أداة المرحلة السابقة حين كان الهدف هو إسقاط الحكومة، فإن هذه المرحلة تتطلب أهدافاً أخرى. كان الخطاب السياسي للمرحلة الماضية بسيطاً وواضحاً: إسقاط الحكومة! وكان الناس يرددون هذا الخطاب، ويلبون نداءات الحشد في الشوارع والساحات. أما اليوم، فإن الخطاب أمسى أكثر تعقيداً، وينبغي أن يصل إلى الناس من خلال أدوات مختلفة، إذ المطلوب اليوم الذهاب إلى الناس في أماكن تواجدهم، من خلال المسيرات والمناشير وبث الخطاب السياسي هناك. الساحات في هذه المرحلة لها دور آخر، وهي لا تكفي لوحدها، إذ تصبح في هذه الظروف كظاهرة Exotic منسلخة عن الواقع والناس... لكن ما هو دور الساحات اليوم؟

5-التمسك بالمساحات العامة المفتوحة وبخيم النقاش
ينبغي التمسك بالمساحات العامة المفتوحة التي احتلتها الثورة، وينبغي تثبيتها كمساحات للنقاش وللتعارف ولنقاط تلاقي وانطلاق وبلورة الأفكار، مساحات يتبلور فيها التضامن والتكافل الشعبي على شكل مبادرات إنتاجية تعاونية ربما... لكن الأهم هو التمسك بهذه المساحات في بلد تغيب فيه المساحات العامة المفتوحة التي يتلاقى فيها الناس ويشعرون بتضامنهم ووحدتهم.

#القوة_للناس
#لبنان_ينتفض

السلطة لبنان