ماهر أبو شقرا - أفكار في سبيل مشروع تغييري

7 تموز 2019

محار و لؤلؤ
ثمّة نزعة غريزية تحكمنا جميعاً عندما نتعرّض للاستهداف: التقوقع بتلقائية لاتخاذ أفضل وضعية ممكنة، بأقل جهد ذهني وجسدي ممكن، للدفاع بوجه هجوم مفترض؛ طبعاً إذا كان الهروب خارج الحسابات. هذه النزعة التلقائية هي كلّ ما بالإمكان فعله إذا نحن سلّمنا بالكامل لردود الفعل الغريزية التلقائية دون أية إضافات ذهنية.
وما ينطبق هنا على الفرد ينطبق أيضاً على الجماعة: تنغلق محارة المجتمع المحلي للحفاظ على لؤلؤة الفرادة والخصوصية والنمط الاجتماعي المعتاد. دعونا لا نشيطن هذه النزعة كما دأب الناشطون السياسيون على مرّ السنين، بل دعونا نعترف بها كواقع ينبغي التعامل معه، نابعة من حقيقة ما موجودة في أعماق الوجدان الجمعي لمطلق جماعة محلية. فهذه النزعة التي يزدريها ويمقتها الناشطون السياسيون العلمانيون هي كلّ ما بوسع الوجدان الجمعي للجماعة فعله في ظل الحس العام السائد. والحس العام السائد لا تحدّده أذهان الناس وأفكارهم بشكل مستقلّ عن ما تفرضه العلاقات الاقتصادية والشروط الاجتماعية المسيطرة.
إستيحاء لطيف من غرامشي يقودنا إلى أن المستفيد الأول من الحس العام أو المنطق السائد، أو منظومة البديهيات القائمة، هي الطبقة المهيمنة. والحس العام السائد إنما هو يشكّل خلفية ما ورائية تنتظم وفقها الشروط الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية المسيطرة والمتحكّمة. مصلحة الناس إذاً، وجميع المتضرّرين من المهيمنين، تقتضي تحدّي منظومة البديهيات، تحدّي ال"Common Sense"، والتقوقع هو أحد هذه البديهيات.
ثمة ممارسة دائمة يقوم بها الزعماء المحليون: تغذية الشعور بالاستهداف لتحفيز رد الفعل التلقائي، أي إنغلاق المحارة. غير أن التقوقع الطائفي أو المناطقي يقوي الزعامة، ولكنه بالمقابل يضعف المجتمع المحلّي الذي تستمدّ منه الزعامة مشروعيتها. وفيما الزعامة تميل إلى حفظ المجتمع الذي تهيمن عليه ضمن قوقعة تمكنها من التحكم به، فأن نهاية القوقعة معروفة: السحق أو الاندثار أو التحوّل إلى محمية للأنشطة والاختبارات والمعاينة الأنثروبولوجية. فالتقوقع يجتذب مزيداً من الاستهداف ومحاولات التقويض الآتية من كتل أكبر حجماً بزعامات تبتغي مزيداً من المجد والنفوذ: ألف باء أيديولوجية الهيمنة. إنّ العمل بذهنية التقوقع ومن ثم الاشتكاء من الاستهداف هو هراء خالص. وفي الوقت الذي يحضنا فيه الحسّ السائد على التقوقع والتحصن من أجل الحفاظ على الوجود، فإن الواقع ما فتئ يثبت لنا أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً: التقوقع يحافظ على الزعيم، إنما يُرهق مجتمعه ويُضعفه وصولاً إلى الاندثار.
غير أنّ هذه القوقعات، الكبيرة منها والصغيرة، ثمة نظام سياسي يحميها ويقوي حوافزها إنما لا يشرعنها. فالطائفية مكرسة في القوانين والدستور والوظائف، بينما الدولة شديدة المركزية بحيث يبقى المركز بحالة حرب دائمة وتخويف متبادل وتمادي في الاستهداف والاستهداف المضاد، فلا تجد المحارات سبيلاً غير الانغلاق بإحكام. محارات كبيرة وصغيرة ولعبة التوازنات السياسية التقليدية التي لا نهاية لها...
الاستجابة بالوهم
لطالما شكّل التعامل مع التوازنات السياسية التقليدية، وخطر الإخلال بها من قبل أحد الأطراف المهيمنين في لبنان، إشكالية أساسية. إلى أن وصل الأمر في السنوات الأخيرة مع صعود الدور الهيمني لحزب الله إلى معضلة حقيقية ليس هنالك من تصوّر متكامل للتعامل معها. وإذ وجد كثر من المعارضين في لبنان أن هذه المعضلة ملحّة تماماً ولا يمكن القفز عنها وأمست تستوجب الإجابة عليها في أي طرح سياسي، غير أن الاستجابة لهذا الإلحاح أتت متسرّعة تماماً، وأشبه بخلاصة لتمرين ذهني بعيد عن الواقع تمت صياغتها على عجل: "الدولة القوية". وما هذا سوى جواب على تساؤلات ملحة، إنما لا يرقى لأن يكون حلاً أو سبيلا. وهم وأسطورة فحسب، يتمسّك بها دعاة التغيير ليجاوبوا على التساؤلات المحرجة حول هيمنة القوى الطائفية. هي الإجابة الأسهل إنما تحقّقها يبقى الأصعب، وهو استحالة بمكان...
            إن الدولة المركزية في لبنان، كما هو الحال اليوم، لا يمكن أن تكون قوية هذا أولاً. ولا يمكن أن تكون إلا دولة محاصصة، هذا ثانياً، وهذا واقع مستديم إلى أن ينزل وحي ما من مكان ما على أركان المنظومة الحاكمة "يغيّر ما في نفوسهم"، ولن يتغيّر... سيقول قائل: "على الناس أن تقوم بالتغيير." وهذا صحيح تماماً، سوى أن دولة التحاصص المركزية تمدّ المنظومة الحاكمة بالقوة إلى أجل غير مسمى، وتضعف الناس. التغيير يستوجب تفكيك "الدولة المركزية القوية" نفسها.
في الفقرة الثالثة من المبادئ العامة والإصلاحات في وثيقة الطائف، وتحت عنوان "الإصلاحات الأخرى"، تبدأ المادة المتعلّقة باللامركزية الإدارية ببند إستدراكي طريف: "الدولة اللبنانية دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزية قوية." هذا التناقض بين البند الأول وبين العنوان وباقي المواد يشكّل مفارقة عجيبة. في بلد متنوع لناحية الطوائف والأنماط الاجتماعية، رسمت حدوده رسماً ولم تتشكّل بتلقائية مادياً وتاريخياً، فإن مجرّد النطق باللامركزية بما تحمله من إيحاءات وتبعات كأنما هي الكفر عينه بجميع مقولات الوحدة الوطنية والانصهار. والكفر إنّما يستوجب استدراكاً يستبقه فيبرره ويحميه. بين جميع مواد وبنود اتفاق الطائف، فإن فقرة اللامركزية الموسّعة هي التي تدكّ أسس الدولة المركزية التحاصصية، هو أكثر ما يرفضه أركان المنظومة قاطبةً، وبالتالي هو أكثر ما يحتاجه الناس. جميع أركان منظومة الحكم إنّما هم يريدون الدولة المركزية التحاصصية التي تبقي مكامن القوة بأيديهم ضمن دائرة سلطوية تشكّل مركز العمليات لكل شيء: إبتزاز الناس بالتوظيفات والخدمات، وتخويفهم بالآخرين من الشركاء في المنظومة، ذاك هو نمط عمل المنظومة الحاكمة في لبنان.
الأحجية والطريق...
لطالما صمد النظام اللبناني لغزاً عصياً على التوصيف الدقيق. وفي الواقع إن دينامياته وتشابك تكوينه تاريخياً ومادياً، تجعل من عملية تفكيكه من الصعوبة بمكان... إنما إذا لجأنا إلى مقاربة إجمالية، فإن "الدولة المركزية التحاصصية" هي النظام اللبناني بشكل أو بآخر الذي تستمدّ منه المنظومة الحاكمة قوتها وهيمنتها ونفوذها.
إن تفكيك النظام اللبناني يستلزم نقل الصراع من المركز إلى الأطراف، وتحقيق حد جيد من الاكتفاء الذاتي في الأطراف إنمائياً وخدماتياً وإقتصادياً، بالأضافة إلى توسيع صلاحيات البلديات وإتحادات البلديات لتصبح حكومات محلية بأتمّ معنى الكلمة، وإنشاء المجالس التمثيلية المحلّية، أو مجالس الأقضية. وهذا يقود إلى تغيير شامل لواقع الصراع عمّا هو عليه اليوم: من صراع تنافسي في المركز بين الأقطاب الناس فيه ملحقة، إلى صراع في الأطراف بين القطب المحلّي والناس.
إذاً، بدلاً من مقولة "الدولة المركزية القوية" العمل من أجل اللامركزية الموسعة وحكومات محلية تشاركية.
غير أنّ هذا يستتبع تحديداً لدور الدولة، إذ بدلاً من أن تكون دولة ذات سلطة مركزية تصبح إدارة تربط الناس بقانون جزائي موحّد وقانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، وبأنظمة ضريبية وبالتأمينات الاجتماعية الكاملة والموحّدة، وبتعليم عام مجاني. كما ويستتبع المناصفة الجندرية في الوظائف العامة.
للمنظومة الحاكمة عقيدة أساسية ومبدأ رئيسي: إستدامة الهيمنة والنفوذ. تارة بالتخويف وتارة بالاقتتال والتخاصم، وتارة بالتحاصص، وتارة بالتحالف المباشر. لذلك فإن تدمير النقابات ومنع انتظام الناس في قطاعاتهم وأماكن وجودهم وحيث يفعلون هو هدف أساسي للمنظومة: ممنوع أن يكون هناك قطاعات نشطة. وكذلك الأمر بالنسبة لتجمع الناس في أماكن خارج النظام الاقتصادي الاستهلاكي، إذ يجب أن تمرّ التسلية والعلاقات الاجتماعية بالنظام الاقتصادي الذي يغذي المنظومة: ممنوع أن يكون هناك تجمع وترفيه دونما استهلاك. كما وأن الاستهلاك بالنسبة للمنظومة الحاكمة ينبغي أن يمرّ بالمصالح الاقتصادية الكبرى، أركان الاقتصاد النيو-ليبرالي. وهذا يستوجب تدمير التعاونيات الانتاجية.
مقابل كلّ هذا، فإن مطلق مشروع تغيير جذري لا بدّ أن يشتمل على نقيض جميع الأركان الاقتصادية والاجتماعية لمفاهيم النظام القائم أي: النقابات، والتعاونيات الانتاجية، والأماكن العامة المفتوحة والمجانية، والنقل العام شبه المجاني.
بمواجهة "الدولة المركزية التحاصصية" مشروع مقابل: بلد اللامركزية الموسعة، والعلمانية، والمساواة، والعدالة الاقتصادية-الاجتماعية.
... وحزب الله؟
تبقى إشكالية حزب الله حاضرة وسط العديد من المقاربات التي لم ترتق أيّ منها لأن تكون حلاً واقعياً ولا شافياً لهذه الإشكالية. جميعها تتراوح بين الطروحات الاعتباطية الشعبوية التي تبتغي بناء شعبية سياسية من خلال معارضة سلاح حزب الله، والطروحات التي فيها تمييع وتأجيل للمشكلة إلى أجل غير مسمى.
معظم الطروحات التي تتناول حزب الله تتناول هذه الإشكالية بمعزل عن النظام اللبناني بأسره وبمعزل عن دينامياته. معظم الطروحات تقع في فخ ما سأسميه هنا "الضدّية الاختزالية". قبل اليوم، سقط مشروع الحركة الوطنية حين وقع في فخ "الضدّية الاختزالية". حين اختصر كلّ مشاكل النظام اللبناني بالمارونية السياسية، وحين أصبح الخصم: "الكتائب اللبنانية" حصراً كونه الطرف المهيمن بدلاً من أن يكون النظام اللبناني بأسره، ومنطقه وتوازناته الطائفية والاقتصادية. واليوم، يقوم حزب الله مقاماً شبيهاً بالذي كانته الكتائب وقتها. هو الطرف الأقوى في المنظومة، وهو المهيمن على البلد بشكل مباشر أو غير مباشر. السؤال الأساسي هنا: كيف نواجه المهيمن الأقوى دون الانزلاق إلى "الضدية الاختزالية"؟ وكيف نواجه مشروع حزب الله دون تعويم خصومه الطائفيين؟ إن السقوط في فخ "الضدّية الاختزالية" هو مقتل لأي مشروع للمعارضة السياسية لأنّه حتى لو انتصر مشروع معارضة كهذه، فإن أقصى ما يمكن أن يفضي إليه هو تنصيب طرف مهيمن جديد بدلاً من حزب الله. جورج حاوي انتهي شهيداً، إنما مات قبله المشروع التغييري الذي آمن به عندما سقط في فخ "الضدّية الاختزالية"، فتناهشت المشروع الأحزاب الطائفية، ودق النظام السوري المجرم الإسفين الأخير في النعش...
بالإضافة إلى العوامل الإقليمية والدولية، فإن مقاربة موضوع حزب الله ينبغي أن تأخذ موضوعين أساسيين في الاعتبار. الموضوع الأول هو أن وضعية حزب الله هي تمخّض تلقائي عن النظام اللبناني الذي يحفز التكتلات الاقتصادية وديناميات الهيمنة. وبالتالي فإنه حتى لو انتهت وضعية حزب الله اليوم، فإنّ وضعية أخرى لقوة هيمنية أخرى ستملأ الفراغ، وستنشأ استقطابات جديدة على المنوال نفسه. أما الموضوع الثاني فهو أن الوضعية الإشكالية في موضوع حزب الله ليست بموضوع السلاح فقط كما تصورها القيادات السياسية التقليدية المناهضة لحزب الله. فقضية الحزب معقدة ومتشابكة، ورطة حقيقية للجميع: الحزب ذو شعبية واسعة ومؤسسات ودورة اقتصادية خاصة به، كما وأنّه شريك في السلطة، وفي الوقت نفسه يملك قوة عسكرية ذات أبعاد إقليمية، ويمسك بقضية تحرج الجميع ليصبح أي كلام يطاله أو يطال سلاحه بمثابة تطاول على قداسة فكرة المقاومة بذاتها. إذن جميع هذه العوامل مجتمعة هي التي تجعل من حزب الله وضعية إشكالية. باختصار، هي عملية الجمع بين السياسة والسلاح التي تجعل من حزب الله مشكلة. فبلا سلاح، يصبح حزب الله مثل باقي أطراف النظام اللبناني: حزب طائفي موجود في السلطة، وجزء من تركيبة النظام لا يختلف كثيراً عن الأطراف الأخرى. أما بلا سياسة، فإن حزب الله يصبح فرقة عسكرية، أو مجموعة ألوية مقاومة. عندها يمكن الحديث عن استراتيجية دفاعية تجعل المقاومة فرقة عسكرية معترف بها، ويكون لها مقعد في المجلس العسكري. ولعل هذا يكون باب أيضاً لمنح جميع العسكريين حقهم بالانتخاب أسوة بعناصر المقاومة.
إذن، مقاربة إشكالية حزب الله ينبغي أن تمرّ بالاعتراف أولاً بأنّها مشكلة النظام اللبناني، وثانياً بأن الوضع الإشكالي للحزب ليس مردّه السلاح وحده كما يصور باقي مكونات النظام اللبناني، بل التشابك الكبير بأضلاعه: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكري؛ وهذه تمد العقدة بالحياة وتضخمها.

ماهر أبو شقرا - أفكار في سبيل مشروع تغييري - لِحَقي