إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل

إلهام برجس - رد قانون "إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل": تفضيل المساواة بالظلم، على المساواة بالحق.

27 تموز 2019

 

"إقامة مجاملة" هكذا تسمى الإقامة التي تمنح لأبناء الامرأة اللبنانية، ومدّتها ثلاث سنوات وهي معفاة من الرسوم. مؤخراً أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون يقضي باعفاء أبناء اللبنانية الحائزين على إقامة مجاملة من شرط الحصول على اجازة العمل. جاء اقرار هذا القانون متزامناً مع إعلان وزير العمل كميل بو سليمان عن "خطة وزارة العمل لمكافحة العمالة غير الشرعية"، أي العمالة الأجنبية غير الحائزة على إجازة من وزارة العمل. على الرغم من أن هذا القانون لا يعدو كونه إقرار مجتزأ بحقوق أبناء اللبنانيات، فقد قرّر رئيس الجمهورية العماد ميشيل عون ردّه إلى مجلس النواب لإعادة النظر به. 

 

عودة إلى الضبابية 
إقامة "المجاملة" تمنح لأزواج اللبنانيات وزوجات اللبنانيين أيضاً، وذلك بناءً على شروط متفاوتة، لا يقرأ منها إلا تفوّق في الذكورية والأبوية. يتبيّن من مراجعة موقع الامن العام اللبناني بالنسبة لشروط منح إقامة المجاملة أن هذه الإقامة تشترط للحصول عليها، التقّدم بتعهّد بعدم العمل لكل من هم تحت الـ 64 من العمر، أي لكل من هم دون سن التقاعد الرسمي. تحت هذا الشرط البارز في رأس الصفحة، تجد جدولاً يبيّن المستندات المطلوبة من كل فئة على حدى. فزوجة اللبناني ملزمة بابراز تعهّد بعدم العمل لتستحق إجازتها، أما هذا الشرط فلا يبرز في الخانة المتعلقة بزوج اللبنانية فيما يتم تطبيقه على أرض الواقع. يختلف الوضع بالنسبة لزوجة اللبناني في حال كانت مهاجرة عاملة في الخدمة المنزلية أو "فنانة"، ففي هذه الحالة تمنح "المجاملة" للمرة الأولى لمدة سنة فقط. أما  في الخانة المتعلقة بأبناء اللبنانيات فأًيضاً يغيب شرط التقدّم بتعهد بعدم العمل، من دون إعلان واضح عن إعفائهم/ن منه. عملياً، وخلافاً للأزواج، لا يسأل الأبناء عن ابراز هكذا تعهّد عند التقدّم لتجديد "المجاملة". بالمقابل، يسجّل في خانة المهنة على بطاقة الإقامة عبارة: "إبن/ة لبنانية"... مهنة مرهقة فعلاً. 

 

مجاملة اللبنانيات بالسماح لأبنائهم/هن بالعيش معهن في لبنان ليس قديم العهد. قبل عام 2003 كان أزواج وأبناء اللبنانيات معرّضين للترحيل في أي لحظة إلى دولهم، في حال قرّر الأمن العام الإمتناع عن تجديد إقاماتهم. عام 2003 أدخل تعديل على المرسوم الذي ينظّم شروط إقامة أولاد اللبنانيات اللذين لا يعملون حصراً. واستهلّ نص التعديل وقتها كالآتي: "يحق لمدير عام الأمن العام منح اقامات مجاملة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد". وهذا يعني بالاتجاه المعاكس أنه  يحق للمدير العام الإمتناع عن منح هذه الاقامة أو تجديدها. بكل الأحوال هذا التعديل لم يشمل وقتها إلاً القاصرين/ات من أبناء اللبنانيات، ويتمتع من بينهم المولودون في لبنان فقط من إعفاءات من رسوم الاقامة في حال كانوا مستمرين في التحصيل العلمي. هكذا إستمرّت معاناة هذه الفئة، ومعها الآباء الأجانب، حتى عام 2011 عندما أخذ وزير الداخلية زياد بارود زمام المبادرة مقترحاً تعديلاً إضافياً على المرسوم الصادر عام 1962، وقد أقرّ التعديل في مجلس الوزراء، وذلك باضافة فقرة إلى المادة 21 من المرسوم المذكور مفادها أن يتم اعفاء "زوج اللبنانية الأجنبي وأولاد اللبنانية من زوج أجنبي راشدين كانوا أم قاصرين من جهة، يعملون أو لا يعملون من جهة أخرى" من الرسوم المفروضة على سمات الإقامة. والأهم أن هذه المادة تنص على إلغاء كل نص مخالف لأحكامها صراحةً، لكنها بكل الأحوال تبقى تحت "حق مدير عام الأمن العام" بمنح الإقامة. 

 

"مساواة" إستنسابية 
إستند عون في قراره إلى "مبدأ المساواة"، أي المساواة بين أبناء اللبنانيات. حيث أن إجازة العمل تمنح لحاملي إقامة المجاملة من دون أبناء اللبنانيات الذين لا يحملون هذه الإقامة. ولكن، من هو ابن اللبنانية الذي لا يحمل هذه الاقامة؟ بالطبع ليس المقيم في لبنان، الا اذا كان الامن العام يمتنع فعلا عن اعطاء بعض ابناء اللبنانيات اقامات. أما اذا كان مقصد الرئيس أولاد اللبنانيات المقيمين في الخارج، فما حاجة هؤلاء لاجازة العمل أصلا؟ بكل الأحوال، عن أي إستنسابية يتكلم الرئيس، ألا يزعجه في قانون إستعادة الجنسية، القانون المدلل لدى صهره وزير الخارجية جبران باسيل والسند الأساس في الحملة الانتخابية لحزبه السياسي خلال انتخابات الأخيرة، البند الذي يحصر الحق بالاستفادة من القانون بالمتحدرين من أصل ذكر؟ 
 
استنسابية تطبيق مبدأ المساواة في تعليل الرئيس تبرز مباشرةً في البند الثاني من هذا التعليل، حيث يعتبر أن في القانون "غموض مبطل للنص". والغموض بالنسبة لعون يتعلق بفرضية يطرحها هو: أن تكون إقامة المجاملة باعتبارها اجازة عمل حكمية، تشمل المهن المنظمة بقانون والتي لا يسمح لغير حاملي الجنسية اللبنانية العمل بها (المحاماة، الطب، الهندسة). ويعتبر عون انه من غير الواضح ما اذا كان هذا القانون يشكل تعديلا ضمنيا لهذه القوانين. على فرض أن لهذه الفرضية أساساً من الصحة، ما المشكلة في ان يتاح لأبناء اللبنانيات مجالات عمل شاملة في السوق اللبناني؟ ولكن لنكن واقعيين، هل ستسمح نقابة المحامين التي منعت "اللبنانيين" المجنسين عام 1994 من التقدم الى امتحانات النقابة، أبناء اللبنانيات الذين واللواتي لا تزال هوياتهم أجنبية من الانضمام اليها. وهنا لا بد من الاشارة الى كون الانضمام الى نقابات هذه المهن هو شرط من شروط ممارسة المهنة. بكل الأحوال، الرئيس كان واضحاً من مكمن تخوّفه في هذا المجال، وهو تحديداً ما جاء في الأسباب الموجبة للقانون المردود "تشريع قاعدة كلّية: للمرأة اللبنانية حقوق أقرّها الدستور وأولها المساواة بالرجل". 

 

لا داعي لتحليل موقف الرئيس من العبارة الأخيرة، ما دام بادر بذاته إلى ذلك في تعليله لرد القانون: "المساواة يعمل به في أوضاع قانونية مماثلة وليس في أوضاع قانونية مختلفة". من هنا يقترح الرئيس أن يكون الإمتياز لأولاد اللبنانية في إعطائهم الأفضلية على باقي الأجانب في سوق العمل عن طريق تيسير العمل في لبنان بقدر ما تسمح به وتتيحه سوق العمل اللبنانية. بكلمات أخرى، يرفض الرئيس مساواة أبناء المرأة اللبنانية بأبناء الرجل اللبناني، مستنداً إلى عدم المساواة بين المرأة والرجل بنقل الجنسية للأولاد، لكي يدافع عن مبدأ المساواة نفسه. ببساطة أكبر يفضّل الرئيس مساواة "الأجانب" المقيمين بصورة دائمة في لبنان بالظلم، على مساواة المرأة بالرجل في الحق. 

 

ماذا يعني رد القانون عملياً؟ 
منحت المادة 57 من الدستور اللبناني رئيس الجمهورية صلاحية رد القوانين .تنص هذه المادة على حق رئيس الجمهورية "طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لإصداره (شهر من تاريخ إحالته إليه) ولا يجوز أن يُرفض طلبه· وعندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حلّ من إصدار القانون إلى أن يوافق عليه المجلس بعد مناقشة أخرى في شأنه، واقراره بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون أعضاء المجلس.
إذن تحرّر المادة 57 رئيس الجمهورية من إصدار القانون إلى حين إعادة مجلس النواب النظر فيه، على أن إقراره من جديد في مجلس النواب يحتاج إلى أغلبية مطلقة أي 65 نائباً (نصف عدد نواب المجلس زائد واحد)، ولا تعود الأغلبية العادية  (أغلبية النواب الحاضرين عند التصويت) كافية. المطابقة بين الأرقام مع واقع المجلس الحالي يعني أن لا مجال لإعادة النظر بهذا القانون ولا إقراره. 

 

بالنتيجة الرئيس قرر أن يضع حداً لهذه المسايرة، أي المجاملة. بالفعل، إن التسمية المطلقة على هذه الإقامة هي تعبير عن شعور الدولة اللبنانية تجاه استقبال أبناء اللبنانيات على أراضيها، إستقبال المساير وليس المؤهّل... تذكير مستمر ومتجدد لهم أنهم ضيوف يتمتعون "بكرم الضيافة اللبنانية". الرئيس قرّر أن يضع حدّا للمسايرة، فما يزيد عن حدّه ينقص. ومسايرة أبناء اللبنانيات تنقص أو تنتهي عندما تعترف الدولة بحقوق أمهاتهن على قدم المساواة مع الآباء، حقوق النساء على قدم المساواة مع الرجال. 

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل

تابعوا إلهام برجس على موقع تويتر.

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل

إعفاء ابناء اللبنانيات من اجازة العمل