Labor 2021

أليس كفوري وجاد مزهر - الثّورة أمل... والأمل بالعمّال والعاملات

30 نيسان 2021

ننظر من حولنا إلى واقعنا اليوم ولا يختلف اثنان أن النّموذج الذي اعتدنا عليه يتهاوى، فلا الأمن آمنًا، ولا القضاء عادلًا، ولا المصارف مليئة. لنصل أبعد من ذلك فقد بات الفن هابطًا، والإعلام بوقًا لا بل أبواقًا، والتّعليم سلعة والدّين تجارة... والسّبب؟!

علاقات إنتاجية غائبة، ونموذج اقتصادي مبني لخدمة قلّة قليلة من النّاس تحكّمت بشكل اقتصادنا ومجتمعنا على مدى عقود. نموذج وجد لخدمة أوليغارشية حاكمة وهمّش دور الطّبقات العمّالية الكادحة.

السؤال يطرح نفسه : وما العمل؟

السّائد كان نموذجاً قوامه تدفّق الرّساميل من الخارج لتعيد إنتاج نفسها بنفسها بعيداً عن اقتصاد إنتاجيّ، عادل، ديمقراطي ومستدام يستجيب لمصالح الأكثرية. مثل هكذا نموذج لا يمكن أن يتعايش مع اتحادات عمّاليّة فاعلة وعمل نقابيّ متين. لذا كان لا بد من تهميش دور العمّال والعاملات وإخضاعهم عبر ظروف عمل تقوم على استغلالهم وتبعدهم عن مراكز القرار ضمن عملهم، ليكونوا بالتّالي أداة لدى أصحاب الرّساميل لمراكمة أرباحهم، بينما يكونوا أوّل من يدفع الكلفة في حالات الخسارة كالذي نعيشه اليوم من انهيار اقتصاديّ وماليّ. لنكون عمليًا في نموذج احتكار الأرباح وتوزيع الخسائر.

في الظّاهر تحرّر العمّال والعاملات من العبوديّة واستغلال مالكي الأراضي لتعبهم وإنتاجهم، إنّما في الواقع انتقلوا إلى عبوديّة بسلاسل جديدة، تحت رحمة الأسواق، بعنوان كليشه العرض والطلب في مجالي التّوظيف والتّحكّم بأسعار المنتوجات. فالنّظام الرأسمالي الذي يحكم علاقاتنا ببعض، امتهن استغلال العمّال والعاملات بظروف عمل قاهرة، ورواتب زهيدة، حتّى بات الحدّ الأدنى للأجور اليوم لا يتعدّى الدّولارين في اليوم الواحد، كلّ هذا في بلد لا يؤمّن أيّ من المقوّمات الأساسيّة من غذاء وطبابة وسكن وتعليم.

إضافة الى ذلك فإنّ نسب البطالة المرتفعة وقلّة الفرص في سوق العمل، تجعل العمّال والعاملات مكبّلين، راضخين لواقعهم خوفاً من العوز في بلد يفتقد لأيّ حقوق اجتماعيّة. إنّ هذا التّهميش والاستغلال يأتيان بشكل متفاوت أيضاً، بدءاً من الظّلم الذي يطال وبشكل يوميّ العمّال والعاملات الأجانب في لبنان ويرعاه نظام الكفالة الاستعباديّ، مروراً بتهميش العمل المهني، واحتقار المجتمع القائم لأصحاب وصاحبات المهن حيث باتوا عمّالاً وعاملات بلا ضمان، بلا نقابات واتحادات وبلا أدنى مقوّمات العمل الطّبيعيّ. وصولًا الى تهميش العاملات والتمييز الجندري الذي يتعرضن له، إن كان من ناحية الفوارق الشّاسعة في الرّواتب أو من ناحية العوائق التي توضع بوجههنّ ما يمنعهنّ من الوصول الى مراكز القرار في أشغالهنّ، ناهيك عن ظروف العمل الصّعبة إن من ناحية تسليع المرأة عبر تنميط وظائف محدّدة لها أو كذلك إجازة الأمومة القصيرة وكل ما يرافقها من ضغوط تواجه الأمّهات العاملات.

الإقصاء والاستغلال وظروف العمل القاهرة، تلعب دوراً أساسيًّا في إضعاف العمّال والعاملات وإراحة أرباب العمل ما يزيدهم بطشاً. وهي كلّها تقع في صلب النّموذج الاقتصاديّ القائم على أوليغارشيّة متحكّمة برقاب الطّبقات الكادحة، لتتمكّن من تكبيلها بشتّى أنواع السّلاسل الجديدة.

وبالحديث عن السّلاسل، دأبت المنظومة الحاكمة في لبنان ومنذ زمن طويل على تغييب أي شكل من أشكال العمل النقابيّ، حتّى بات اليوم الاتّحاد العمّاليّ العام ، هيكلًا بلا روح، تتحكّم به الأحزاب الحاكمة. وقلّة قليلة من عمّال وعاملات لبنان نجدهم متكتّلين ضمن نقابات تدافع عن حقوقهم وتقاتل لأجل مستقبلهم، وهذا ليس من فراغ، فللعمل النّقابيّ دور أساسيّ في الدّفاع عن الطّبقة العاملة وصونها وكذلك تعزيز مكانتها ليس فقط ضمن عملها إنّما ضمن المجتمع بشكل أوسع.

في ظلّ الإنهيار الحاصل اليوم، نجدنا أمام فرصة خلق علاقات إنتاجية جديدة يكون العمّال والعاملات نواتها، وبالتالي في صلب المجتمع الجديد. لذا، العمل يجب أن يبدأ اليوم على صعيد النّقابات، فدورها أساسيّ في العمل الثّوري. تخيّلوا معنا ثورة تشرين والانهيار المصرفيّ مع نقابة وازنة ضامنة لحقوق موظفي وموظفات المصارف، كم كان سيكون المشهد مختلفاً. تخيلوا معنا لو أنه في لبنان ومع هذا الانهيار الذي بات يهدّد أمننا الغذائيّ والانسانيّ، كان لدينا إتحادّ عمّاليّ وازن قادر على فرض الإضرابات والعصيان وأن يكون جزء من الحركة التّغييرية؛ كم كان سيكون واقعنا اليوم مغايرًا.

تمكين النّقابات اليوم يجب أن يكون أولويّة لاستعادة دورها النّضاليّ بدل ان تكون أداة بوليسيّة في أيادي أعداء الطّبقة العاملة، تُستخدم لإخضاع العمّال والعاملات والهيمنة عليهم. فباتت النّقابات أشبه بجناح عماليّ للطبقة الحاكمة داخل الطبقة العاملة. وإن كان هذا يدلّ على شيء، فهو يدلّ على هشاشة البرجوازيّة الحاكمة وخوفها من أي انتظام عمّاليّ مستقلّ.

من هنا، علينا أن نبدأ بتأسيس قوّة وازنة في المكان الذي نتواجد فيه . يعني أنّنا بحاجة إلى الاجتماع مع الآخرين من الذين يشاركوننا نفس الاشمئزاز من النّظام، فنوحّد جهودنا ونعمل سويّاً على مبادئ مشتركة ورؤيوية مشتركة للمستقبل يكون في أساسها العمل لبناء بدائل إقتصاديّة ديمقراطيّة، تعاونيّة وتضامنيّة. نموذج اقتصادي قوامه الديمقراطية، العدالة واللّامركزية. ولا بدّ أن نصعّد تحركاتنا المطلبيّة لنكون في مواجهة مباشرة مع السّلطة الحاكمة عند كلّ مناسبة وفي كلّ قطاع لنضمن الانتقال إلى نموذج اقتصاديّ يشبهنا لا أن ننتقل من أوليغارشية إلى أخرى جديدة أو متجدّدة.

فبالديمقراطية نضمن أن كلّ معنيّ ومعنيّة له ولها حق تقرير مصيره ومصيرها الاقتصاديّ. وبالعدالة نضمن المساواة في الفرص بعيداً عن القيود الجندريّة والطبقيّة والطائفيّة وغيرها وغيرها. عدالة تعيد الاعتبار للقيم الإنسانيّة في الاقتصاد، عدالة توصلنا إلى مجتمع خال من الطّبقات "المهمّشة". لامركزية تصون دور مختلف المناطق في الإنتاج وتكون جزءًا لا يتجزأ من النّموذج الاقتصادي، لامركزية تعزّز دور التّعاونيّات والمبادرات المتوسّطة والصّغيرة وتمنع الكارتيلات والاحتكارات. إقتصاد يضمن الغذاء والسّكن والطبابة والعلم والعمل للجميع.

إنّ التّعاونيّات والاتّحادات التّعاونية لن تخرجنا من الرّأسماليّة أوهيمنة الأنظمة القمعيّة الاستبداديّة. نحن بحاجة إلى تطوير هذه الأنواع من المؤسسات سياسيًّا. في الواقع، إن أي من المؤسّسات المذكورة أعلاه والتي تم تطويرها بدون خطة سياسيّة واضحة أو استراتيجيّة سيتم ّ احتواؤها أو تدميرها من قبل الرّأسماليّة. ولا نحتاج فقط إلى تطوير هذه الأنواع من المؤسسات سياسيًّا، بل نحتاج أيضًا إلى تطويرها لتكون مدعومة بحركات اجتماعيّة حقيقيّة من أجل مواجهة تحدّيّات أيّ أزمة وخطر تفاقمها في الوقت المناسب. لا يحتاج النّاس فقط إلى التّعرف على النّماذج الدّيمقراطيّة للتّنظيم، وتزويدهم بآليات تصويت أكثر بساطة ، ولكنّهم يحتاجون أيضًا إلى وسيلة للتّواصل والبناء مع الآخرين، وتجنّب العزلة في الجهود.

إذا كنّا قادرين على ترتيب الأمور من وجهة نظر اقتصادية صحيحة وسليمة، فسنكون قادرين على إنتاج قيم جديدة وثقافات جديدة وحتّى قوّة سياسيّة جديدة.

نحن اليوم أمام واقع انهيار نموذج اقتصاديّ كان قائماً لعدّة عقود من الزّمن، تحكّم بعلاقات الإنتاج بين أفراد وطبقات المجتمع، ونحن أمام امتحان حقيقيّ فإمّا أن نؤسّس لاقتصاد جديد وامّا الرّضوخ والخنوع. لم يكن التغيير يومًا أضغاث أحلام، وهذا ما يؤكده التاريخ جليًّا، لذا على الطبقة العاملة أن تثبّت جذورها وتؤدّي دورها كعامل للتغيير.
ومن هنا الحثّ على الثّورة فالثّورة هي الأمل، الأمل بعالم يشبهنا. عالماً نكون نحن العمّال والطبقات الكادحة نواته. عالمٌ نكون نحن فيه الأقوياء. فالقوّة للعمّال والعاملات.

أليس كفوري وجاد مزهر