Aley

جذر عاليه في لِحَقِّي: ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩، عندما بدا للوطن وجهٌ يشبهنا

29 تشرين الأول 2020
شهادات من ثوّار وثائرات عاليه عن تجربتهم/نّ في ثورة ١٧ تشرين

عندما نضع ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩ في خانة الأحداث السياسيّة، فنحن نختصر الكثير من أحداث ذلك اليوم. ما حدث كان أقرب إلى أن يُصنّف كحدثٍ عاطفيٍّ ومواجهةٍ تشوبهما مشاعر متناقضةٌ مع وطنٍ نعيش فيه ونرفضه، ومع وطنٍ يعيش فينا ويأبى أن يتحوّل إلى واقع.

منذ حزيران ٢٠١٥ والكأس كان على وشك أن يفيض بنقطةٍ، وما أكثر النّقاط السّوداء في منظومتنا الأشدّ سوادًا.

في ١٧ تشرين، دقّت ساعة الغضب، وفاض الكأس من هول الفساد.

فاض الكأس على لسان كلّ شخصٍ حرٍّ صرخ "كفى"، كفى تشويهًا فلم نعد نعرف وجه وطننا!

كلٌّ على طريقته، عبّر عمّا دار في قلبه وعقله. وها نحن نستعرض معكم ومعكنّ، بعد سنةٍ، أبرز ما جاء على لسان ناشطي وناشطات جذر عاليه في "لحقّي"، من قصصٍ مختلفةٍ تستذكر مشهد ١٧ تشرين ٢٠١٩.

كتبت "دانا نصر":

"أحبّك. أحبّ أحلامك الجميلة. أحبّ تمرّدك الّذي يشبه بركانًا متأجّجًا لا يهدأ. أحبّ شعلتك الثّوريّة الّتي لا تنفكّ تهزّ عرش الطّغاة. أحبّ صوتك الّذي لا يتردّد في إيقاظ كلّ ظالمٍ ينام على آلام المظلومين.

١٧ تشرين يا حبيبتي، لأجل ذلك اليوم الّذي انتفض فيه شعبي، لأجل ذلك التّاريخ الّذي اتّحدت فيه أمّتي، لأجل كلّ صوتٍ حمل مطالب أبناء وبنات بلدي، لأجل الحلم الّذي تدفّق في عينيّ كلّ بائسٍ في وطني... سنصمد، سنصمد، وسنحمل اسمك لأجيالٍ وأعوام لا تنتهي."

بدوره "حازم المغربي"، اعتبر أنّ ١٧ تشرين كان يومًا من الأيّام المفصليّة في حياته، لأنّ ما بعد ١٧ تشرين ليس كما قبله. يُكمل حازم: "انطلق يوم ١٧ تشرين وبدأ يومٌ عاديٌّ، لم أكن أعرف أنّه سيقلب حياتي رأسًا على عقب. بدأت المظاهرات، وبدأت أتحمّس مع المتظاهرين والمتظاهرات من أمام شاشة التّلفاز في الأيّام الأربعة الأولى. فلم أكن من الأشخاص الّذين يحبّون المشاركة مع النّاس والتّعاطي معهم.

لكن، بعد أربعة أيّامٍ من الجلوس أمام التّلفاز، وصل حماسي إلى ذروته ولأوّل مرّةٍ في حياتي، شاركت في تظاهرة. بعد فترةٍ من المشاركة يوميًّا في المظاهرات في عاليه وحيدًا، تعرّفت إلى مجموعةٍ من الطّلّاب والطّالبات الّذين يلتقون كلّ بضعة أيّامٍ ليتناقشوا في آخر المستجدّات السّياسيّة والثّوريّة من خلال صفحات التّواصل الاجتماعيّ، فجلست معهم عدّة جلساتٍ حتّى قدّمت رأيي وتكلّمت للمرّة الأولى أمام ناسٍ لا أعرفهم. ثمّ، ما لبثت أن فتحت الطّرقات وخفّ نشاط تلك المجموعة، فبقينا أصدقاء نتظاهر.

بعد فترةٍ، في خيمة عاليه، تعرّفت إلى تنظيم "لحقّي" عبر البيان الوزاريّ البديل الّذي أطلقه هذا التّنظيم. تناقشت قليلًا مع بعض أعضاء "لحقّي"، وانتسبت. عندها، تبدّدت حياتي السّابقة وبدأت حياةً جديدةً مع أشخاصٍ أصبحوا أصدقائي وصديقاتي، في تنظيمٍ ساعدني بالنّموّ والتّطوّر في أشهر قليلةٍ أكثر من كلّ سنوات حياتي. فأصبحت الشّخص الّذي يعطي رأيه دون خوفٍ، أستطيع خوض نقاشاتٍ طويلةٍ دون تردّدٍ وأصبحت الإنسان الّذي أنا عليه اليوم.

الثّورة هي ثورةٌ على الذّات قبل المجتمع والمنظومة، وهي ثورةٌ مستمرّةٌ للتّغيير من كلّ النّواحي."

هذا وقد روت "لمى سلامه" عن تجريتها أيضًا: "ليل ١٧ تشرين، كنت بشغلي. بعدني بتذكّر كتير منيح هيداك اليوم وهيديك اللّحظة. كنّا داعيين لمظاهرة، يوم ٢١ تشرين الأوّل ٢٠١٩، بسبب الحرايق وإهمال الدّولة.

يلّي صار أنّه بعد الحريق يلّي طال معظم الأراضي اللّبنانيّة، الدّولة قرّرت تحطّ ضرايب جديدة بطبيعة الحال لأنّه هيدا شي بتعرف تعمله.

المهمّ، نزلت أوّل دعوة من "لحقّي" وأنا باجتماع بشغلي. كلّنا فكّرنا أنّه كم ساعة والنّاس بتطلع ع بيوتها. المفارقة أنّه وصلت عالبيت وشفت التّلفزيونات و"السوشال ميديا"، كلّها فيديوهات عن ليلة ١٧ تشرين. بهيديك اللّحظة، حسّيت أنّه عم إتنفّس، قلت معقول أخيرًا النّاس قرّرت تنتفض!!

ما قدرت شارك إلّا لبعد ٣ أيّام، أنا يلّي بحياتي ما شاركت بولا مظاهرة من قبل وكنت كتير خايفة إنّي شارك. بس بعد ٣ أيّام، اكتشفت أنّه النّاس يلّي بالشّاعر هنّي أصحابي، هنّي ناس بيشبوهني، بدّن المطالب يلّي أنا بدّي ياها. هون، تكوّنت عندي صلة مع الشّارع، أنّه هيدا المكان يلّي لازم كون فيه.

١٧ تشرين مش ذكرة ولا لحظة. ١٧ تشرين هي بداية التّغيير. سنة مرقت، قدرت خلالها أنضج سياسيًّا وفكريًّا، وكوّن مفاهيم ما كان عندي الجرأة إنّي قولها قبل. يمكن الوطن بدّه أكتر من سنة لينضج، بس سنة كفيلة أنّه نحن ننضج.

أنا بلّشت وهلق دوركن.

#١٧تشرين"

كتبت "داليا أبي المنّى": "١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩... لم أنزل يومها مع الحشود إلى ساحة شكيب جابر في عاليه، حيث كان أحد الأحزاب قد دعا قبل أسبوع إلى مظاهرةٍ مطلبيّةٍ، ولأنّني اعتدت على فكرة أنّ الجميع متحزّبٌ ولا يشبهني منهم أحد.

لم أصدّق حين نزلت، في اليوم التّالي، أنّ هناك أحرارًا لا يزالون يتنفّسون في هذا الوطن، وسط دخان الزّبائنيّة والمحاصصة والطّائفيّة. نزلت على إيقاع بكاءٍ احتفاليٍّ بلقاء إخوةٍ وأخواتٍ لي، ظننتهم ماتوا جميعًا. نزلت إلى السّاحة معهم. صرخت. ناقشت. اعترضت على الملأ. قطعت الطّريق وكسّرت كلّ حاجزٍ بيني وبين الوطن.

وبعد سنةٍ، لا أزال أقف في الشّارع، بيدي علمٌ وفي قلبي أملٌ عاد للحياة ويكبر يومًا بعد يوم."

أمّا "غنى العنداري"، فعبّرت عن مكنونات قلبها من سنة:

"١٥ تشرين الأوّل ٢٠١٩

كانت مشاهد جهنّميّة. شعرت بالرّعب وأنا ممدّدةٌ في سريري في عاليه. المدينة لم تطلها الحرائق، لكنّني ارتعبت. أردت أن أبكي طوال النّهار.

رأيت منشورًا لصديقةٍ على فايسبوك تسأل من يرغب أو ترغب بالتّطوّع للمساعدة في أعمال الإغاثة. راسلتها وأضافتني إلى مجموعة واتساب. لم يكن فيها اسمٌ واحدٌ مألوفٌ عليّ سواها.

أنهيت عملي والتقيت بفتاةٍ لم أحفظ اسمها. أقلّتني معها إلى مسبح الجسر الّذي صار غرفة عمليّاتٍ للمتطوّعات والمتطوّعين. راسلت شقيقتي "أنا رح اتطوّع لنساعد بتوزيع الماي، ما بعرف كيف إرجع وتيلفوني ح يطفي، لاقيني". لاقتني، ووزّعنا موادًا غذائيّةً وماءً في المناطق المتضرّرة. ترافقنا ومتطوّعاتٍ لا نعرف أسماءهنّ.

١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩

الوقاحة! لم يمضِ يومان على النّكبة والسّفلة يريدون إقرار ضرائب جديدة. كنت في طريقي إلى صفّ الرّقص، حين قرأت دعوة "لحقّي" (المجموعة الّتي انضمّيت إليها لاحقًا) للتّظاهر.

أخبرت شقيقاتي، هل ننزل؟ نزلنا.

كنّا خائفاتٍ نتوقّع عنف القوى الأمنيّة سلفًا. سمعنا دويّ الرّصاص. مرافق "أكرم شهيّب" أطلق النّار علينا. هل نكمل؟ أكملنا. كان الغضب يجتاحني بكلّ كياني، أرتجف قليلًا وأمضي. تزداد أعدادنا وتكثر الوجوه الّتي أعرفها؛ نحيّي ونضمّ بعضنا، وندرك أنّ ما نعيشه تاريخيٌّ.

١٨ تشرين الأوّل ٢٠١٩

دعوةٌ أيضًا من "لحقّي" للتّجمّع في عاليه - ساحة شكيب جابر. توجّهت وشقيقتي. لم نرَ سوى رجل واحد. لحظاتٍ وتجمهر النّاس. لحظاتٍ أخرى وقطعنا الطّريق، فعلتِ الهتافات. هذه المدينة وأنا، نلتقي أخيرًا.

١٩ تشرين الأوّل ٢٠١٩

أمّي الجميلة تساعدنا في تحضير الخلّ والبصل والاستعداد للمظاهرة.

٤ آب ٢٠٢٠

أُصبت وأخواتي الثّلاث. هؤلاء السَّفلة يقتلوننا عمدًا.

١٦ تشرين الأوّل ٢٠٢٠

نتوجّه إلى سراي عاليه. الجنديّ "يلطّشني"، لا أجيب. بتنا نعرف كمّ البطش القادرين عليه. رجلٌ ينتمي إلى المؤسّسة ذاتها قتل فوّاز السّمّان، وآخر قتل علاء أبو فخر. رجال آخرون، يرتدون بدلاتٍ مخطّطةً مشابهةً، فقأوا عيون رفاقنا. وآخرون بدون بدلاتٍ، لكن أزلام العصابة نفسها، ضربوننا وطعنوننا. أحدهم قتل حسين العطّار.

غير مهمّ. خطواتٌ قليلةٌ وأصبح ضمن دائرة الأمان. نحن نحمي بعضنا. الآن بتّ أعرف كلّ الوجوه ومعظم الأسماء. لا يحمي النّاس سوى النّاس.

١٧ تشرين الأوّل ٢٠٢٠

هذا البلد لنا رغم أنوفكم واليأس الّذي يشبهكم. المواجهة مستمرّةٌ يا حُثالة!"

تؤكّد "مروى أبي المنّى" أنّ ليلة ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩ انتهت ولن تعود، لكنّها اللّيلة الّتي غيّرت مفاهيم كثيرةً في حياتها، كما في حياة غيرها من النّاس. تضيف مروى: "بعد تلك اللّيلة، أصبح بيتُنا الشّارع وكلّ ساحةٍ في لبنان!

ساحة شكيب جابر في عاليه كانت المحطّة الأولى، هتفت أوّل الشّعارات هناك وكتبت هتافاتٍ كتحيّاتٍ من عاليه إلى جميع المناطق اللّبنانيّة، ظلّت تتردّد حتّى حفظها النّاس عن ظهر قلب. أمّا خيمة عاليه، فباتت بيتنا الثّوريّ الحاضن لجميع أنواع النّشاطات والحلقات الحواريّة. في تلك الخيمة المميّزة، تعرّفت إلى ناسٍ تشبهني بتوجّهاتها وآرائها، ناسٍ أحبّها، وناسٍ أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من حياتي.

لم أكن أتوقّع في حياتي أنّني "سأداوم" في خيمة "عاليه تنتفض" أو في ساحة الشّهداء!

لم أكن أتوقّع أنّ أمّي "يلّي بتعتل همّي" تذكّرني بالبصل والخلّ قبل كلّ مظاهرةٍ!

لم أكن أتوقّع أنّ ١٧ تشرين ستكون مدرسةً لأجيالٍ قادمةٍ، وعيًا، حبًّا، وتضامنًا!

الثّورة قد تكون لم تولد بعد، لكنّ المواجهة مستمرّةٌ ضدّ هذه المنظومة، والقوّة لا نستمدّها إلّا من بعضنا البعض.

#القوّة_للناس"

يروي "أمين التّيماني" تجربته أيضًا: "منذ حراك ٢٠١٥، توقّعت أنّ يومًا ما سيحلّ وينتفض فيه أبناء وبنات بلدي، خاصّةً بعد تجربتي كمشرفٍ في الانتخابات لأوّل مرّةٍ، بحيث كنت المعارض الوحيد. من خلال موقفي المعارض آنذاك، تعرّفت إلى مجموعةٍ تدعى "لحقّي"، والّتي تسعى إلى التّغيير ومحاسبة المنظومة الحاكمة الفاسدة.

عند اندلاع الحرائق في لبنان عام ٢٠١٩، لم أستطع تجاهل ما كان يحصل. فكان لا بدّ من المساعدة، خصوصًا في ظلّ غياب المسؤولين التامّ.

أخيرًا، أتت اللّحظة المنتظرة ودقّت ساعة ١٧ تشرين. حينها، لم تكترث المنظومة في زيادة الضّرائب فانفجر الشّارع وانتفض، وانفجرت معه المناطق وبدأت التّحرّكات اللّامركزيّة ضدّ الأوليغارشيّة الحاكمة. كانت فكرة استسلام النّاس وترك السّاحات تخيفني وتشكّك بأمل التّغيير. لكنّ هذا لم يحصل، فقد ازداد غضب النّاس والإصرار على المحاسبة. لذلك، أردت المشاركة، كوقفةٍ تضامنيّةٍ مع لبنان من دول الاغتراب.

بعد مرور عدّة أسابيع، حبّي للوطن والحرّيّة لم يسمح لي أن أبقى في بلد الاغتراب. ١٧ تشرين هي انتفاضةٌ غيّرت مصير لبنان، استرجع خلالها النّاس السّاحات العامّة والنّقابات، وعبرها توحّدت المناطق والتّوجّهات السّياسيّة رغم القمع الّذي تعرّض له النّاس.

من هنا، نؤكّد أنّ القوّة للحقّ وللنّاس."

لسان حال هؤلاء النّاشطين والنّاشطات كغيرهم من أبناء وبنات ١٧ تشرين، الّذين جمعهم الوجع والأمل والتّضامن والحبّ والوعي. كتبوا، عبّروا، رسموا وانتفضوا، علّهم يبنون الوطن الّذي يحلمون به، يومًا ما.

ونحن، إذ فقدنا الثّقة بكلّ شيءٍ، سوى بهؤلاء النّاس وقدرتهم على رفع الصّوت، لنصل يدًا بيدٍ إلى دولة المواطنة والحرّيّات حيث تكون حقوق الإنسان هي الخطّ الأحمر الوحيد.

فالتّغيير لم يكن ولن يكون إلّا من النّاس.

القوّة للنّاس دائمًا وأبدًا!

جذر عاليه في #لحقي

#القوة_للناس