IMG_20180704_114014

مايا عزالدين وسامر العياش - ثورة 17 تشرين، مهد التّغيير

17 تشرين الأول 2020

حرائق يوم 15 تشرين الأوّل 2019 في الجبل، تكشف عن قذارة صراعات أهل الحكم ورمي المسؤوليّات، وعن كلامٍ طائفيٍّ مقيتٍ لا يشبه سوى قائليه وما يمثّلون. يقابله شعورٌ بالغضب والنّقمة على المنظومة، وانتظامٌ طوعيٌّ وعفويٌّ لمئات الشّابّات والشّبّان وهيئات الإغاثة والدّفاع المدنيّ اللّبنانيّ والفلسطينيّ، اندفع الجميع لإطفاء الحرائق ومساعدة العائلات الهاربة من الجحيم، رغم الغصّة الخانقة والدّموع المحبوسة في العيون.
استعراضٌ للقوّة - بطريقة العشائريّة - في قبرشمون، تسجيل نقاطٍ في صراعات أهل الحكم، دماءٌ وضربٌ للموسم السّياحيّ.
ألاعيب شبكات المصالح السّياسيّة - الماليّة: بإذلالٍ متكرّرٍ للنّاس على محطّات البنزين وأمام الأفران وفي المصارف ومحلّات الصّيرفة، عبر افتعال الأزمات المعيشيّة وضرب الاستقرار وتهديد الأمن الغذائيّ والدّوائيّ والاجتماعيّ، خلال أشهر صيف 2019.
الدّولة البوليسيّة تستدعي العشرات من النّاشطين والنّاشطات فقط بسبب كلامٍ نقديٍّ هنا أو تغريدةٍ هناك، بينما القضاء غافلٌ عن الجرائم الحقيقيّة، جرائم السّرقة المنظّمة لأموال النّاس وودائعهم وحياتهم ومسقبلهم.
تسوية رئاسيّة تكرّس وحدة حال أركان المنظومة، فلا 8 ولا 14 بعدها، جميعهم شركاء في الحكم، وفي الصّفقة الّتي سُمِّيَت: انتخابات 2018، الّتي كانت شبيهةً باستفتاءات البعث لتكريس الأسد للأبد.
قرارٌ من مجلس الوزراء بزيادة الرّسوم – المرتفعة أصلًا – على الاتّصالات، استدعت دعوةً من "مجموعة العمل المباشر في لحقّي" للتّجمّع في ساحة رياض الصّلح، مساء 17 تشرين الأوّل 2019. لكنّ تراكم أشهر وسنواتٍ من المعاناة من السّياسات الماليّة والاقتصاديّة وممارسات السّلطات المتعاقبة تكثّفت وانفجرت في تلك اللّيلة، فكان للنّاس رأيها. التّجمّع أصبح مسيرةً، والمسيرة أصبحت مظاهرةً، والمظاهرة أصبحت ثورةً امتدّت من ساحات صور والنّبطيّة وصيدا، إلى زحلة وبر الياس وبعلبكّ، فبعقلين وعاليه وجلّ الدّيب والزّوق، وصولًا إلى عروس الثّورة – طرابلس وعكّار والمنية، وفي بيروت: المشرّفيّة الأشرفيّة والرّينغ وساحتي الشّهداء ورياض الصّلح. فالتّظاهرة الّتي أريد لها أن تكون ضدّ ضريبةٍ واحدةٍ تحوّلت إلى ثورةٍ ضدّ كلّ السّياسات الاقتصاديّة الظّالمة والمجحفة الّتي اعتمدتها المنظومة الحاكمة ضدّ النّاس.
وكرّت السّبحة: أُسقطت حكومة الحريري واستقالت حكومة دياب جرّاء التّحرّكات الشّعبيّة اللّامركزيّة الّتي كانت تحصل، ولأوّل مرّةٍ منذ سنين، في المناطق اللّبنانيّة.
جاءت تلك التّحرّكات الجامعة لتقول للسّلطة إنّ النّاس مدركةٌ لمصالحها الحقيقيّة المباشرة رغم خلفيّاتها الطّائفيّة والمناطقيّة والحزبيّة المختلفة، وقادرةٌ على الاجتماع حول مطالبها بالعيش الكريم والأمن وبالطّبابة والتّعليم والغذاء والسّكن وجميع الحقوق الّتي سلبتها إيّاها المنظومة الحاكمة، إلى أن وصل الفقر والبطالة في لبنان إلى أرقامٍ قياسيّة.
بعد أقلّ من عامٍ على ثورة 17 تشرين، جاء التّفجير - المجزرة للمرفأ في بيروت إمعانًا في عدم أهليّة السّلطة الحاكمة وتورّطها بملفّاتٍ أمنيّةٍ واستهتارٍ بات يضع النّاس في خطرٍ مستمرّ. وما زاد الوضع سوءًا، هو عدم استجابة الأجهزة المختصّة للكارثة بشكلٍ سريعٍ وكافٍ، ما أدّى إلى ازدياد تداعيات الكارثة.
لقد أنهت لحظة 17 تشرين الوكالة المعطاة لأركان المنظومة الحاكمة عبر انتخابات 2018. بعد 17 تشرين، زاد تعنّت أركان ومكوّنات المنظومة ومكابرتهم على الواقع المنهار، وتعاليهم على أصوات ومطالب النّاس، ما عمّق الشّرخ بين النّاس والمنظومة؛ الأمر الّذي يطرح مسألة شرعيّة المنظومة ومصدر مشروعيّتها موضع شكّ. لقد تغذّت المنظومة على مدى عقودٍ من تحالف وتبادل مصالح بين مكوّناتها (رأسمال ومصارف، قضاء وقوانين منحازة، أمن وعسكر، إعلام، مؤسّسات رسميّة ودستوريّة) مع أركانها (أمراء حروب فرضت نفسها كقوى وأحزاب وزعامات طوائفيّة ومناطقيّة). تحالفٌ أدّى إلى تكريس الثّروات بيد قلّةٍ قليلةٍ عبر سرقة أموال النّاس وودائعها وقوّة عملها وأمنها وأمانها. كما قامت بسرقة أموال وثروات الأجيال القادمة عبر إغراق البلد بالدّيون، بسبب سياساتهم الماليّة والاقتصاديّة غير المستدامة والمنحازة لمصالح فئات وقطاعات محدّدة.
بعد تفجير المرفأ يوم 4 آب وانفجار الغضب يوم 8 آب، سقطت شرعيّة المنظومة بالكامل، وعلت الأصوات المطالبة جهارًا بتعليق المشانق، مع رمزيّة هذه المطالبة الّتي تعني انكسار الشّعور بالخوف تجاه رموز أركان المنظومة. هذه القطيعة مع مكوّنات وأركان المنظومة ستكون القاعدة السّياسيّة الأساسيّة للمواجهة في الأشهر والسّنوات القادمة.
إنّ التّحدّيات الإقليميّة والدّاخليّة كبيرةٌ لكلّ قوى المعارضة والثّوّار والثّائرات، ما يفسّر بعض الرّكود الحاصل اليوم. لذا، لا بدّ أن ترتكز الجهود على مجموعةٍ من الخطوات من أجل الوصول إلى التّغيير المرجوّ:
الانتظام والتّضامن ورسم أهداف من خلال تحقيقها الواحدة تلو الأخرى، بهدف الوصول إلى دولةٍ مدنيّةٍ علمانيّةٍ قادرةٍ أن تصون مصالح النّاس وأن تبسط سيادتها. هذا يفترض تعاون وانتظام القوى والمجموعات التّغييريّة التّقدّميّة لتقديم البدائل السّياسيّة والاقتصاديّة وحشد التّأييد والدعم لها؛
كلّ هذه الأحداث تؤكّد أنّ لا سبيل للخلاص من المأزق الاقتصاديّ والسّياسيّ الحاليّ إلّا من خلال تضامن النّاس من أجل تأمين شبكة أمان تستطيع أن تمتدّ منها سبل الدّعم والتّعاون .كما أثبتت النّاس، عبر تضامنها لإخماد الحرائق وإنقاذ وإسعاف بعضها البعض بعد تفجير بيروت، أنّها الوحيدة القادرة على الاستجابة لحالات الطّوارئ. الأمر نفسه لا بدّ أن يمتدّ على المستوى السّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ؛
العمل على أهدافٍ محدّدة والتصميم للوصول إليها. فالشّعور بالعجز أمام الواقع الحاليّ طبيعيٌّ، خاصّةً إذا اعتقدنا أنّ إسقاط النّظام وبناء هيكلٍ اقتصاديٍّ سياسيٍّ بديلٍ سيتمّ بين ليلةٍ وضحاها. إنّ من أهمّ وسائل المواجهة في الأزمات العمل على مقاربة كلّ جانبٍ من الأزمة بشكلٍ مستقلٍّ، فتصبح الأهداف واضحةً وقابلةً للإنجاز. وأبرز مثالٍ هو التّغيير الّذي يحصل على مستوى النّقابات والجامعات لصالح النّاس. فالملفّات كثيرةٌ ولا بدّ من مقاربة كلّ واحدٍ منها على حدى للوصول إلى النّتيجة المرجوّة.
صياغة عقد اجتماعيّ تضامنيّ يؤسّس لدولةٍ ديمقراطيّةٍ لاطائفيّةٍ لامركزيّةٍ منحازةٍ لمصالح وحاجات النّاس، يكرّس قيم العدالة والدّيمقراطيّة في السّياسة والقوانين والاقتصاد.
إنّ أكثر ما ميّز ثورة 17 تشرين هو لامركزيّتها والدّيمقراطيّة المباشرة الّتي اعتمدتها مختلف السّاحات والخيم في المناطق. هذه نقطة القوّة الّتي يجب التّعلّم منها والبناء عليها عبر الابتعاد عن أشكال التّنظيم والعمل المركزيّ الإسقاطيّ. فالنّاس في مناطقها وقراها ومدنها وقطاعاتها أدرى بحاجاتها ومصالحها، وأقدر على إنتاج الحلول المناسبة.
القوّة لهم ولهنّ، القوة للناس.

مايا عزّ الدّين وسامر العيّاش