أدهم الحسنية - تحصين الذات بوجه "الشعبوية".

22 تموز 2019

 

قد يتمكن الخطاب الشعبوي من لمس مشاعرنا في ذروة بعض اللحظات السياسية، ولكن علينا الحذر من أن لا يطول تأثير الشعور أكثر من بضع ثوانٍ، وهذا تحدٍ كبير!
يَصعب الحكم المنطقي على الأمور خلال تلقي خطاب السياسيين الشعبوي، خصوصاً خلال موجات الرد والرد المضاد والمغالاة والمغالاة المضادة. وما يعزز نزعتنا إلى الانجذاب إلى أخذ طرف، هو موجة التصفيق المرافقة والاصطفاف، فمن دون شك أن انضمامنا لجماعة حقيقية ام افتراضية قد يُشعرنا بأمان أكبر.
خطورة الانجذاب والاصطفاف حقيقية، فقد نكون من أشد المعارضين والمعارضات للمنظومة ومكوناتها ورموزها وأدواتها، ولكن في لحظة غياب الحجج والمنطق في الخطاب السياسي العاطفي الصرف الذي يتمحور في غالبية الأحيان حول مرتكزات النظام، الذي هو نفسه وأدواته زرعها منذ عقود وجعل منها مسلمات منطقية يكاد أحيانًا أن يُظهّرها حقائق علمية مُثبتة، في مثل هذه الاوقات قد نجد أنفسنا مصطفين مع الطرف "المغبون".

 

من هم "المغبونون"؟
عملياً، تسعى جميع الأطراف السياسية الى الارتماء كضحية. كيف لا وهو الموقع الأسهل لالتماس العطف. موقع الضحية هو الموقع الرابح دائماً، فالأرضية مهيأة، والكل اما خارج من إنكسار سياسي او حتى حربي او من تهديد وجودي دائم يُراكم عليه.
اشكال الضحية عديدة. لعل أكثر ما يصل الى مشاعر الجمهور في لبنان على وجه الخصوص، التهويل بتسكير "البيت السياسي". طبعاً في الأنظمة الديمقراطية هذا المفهوم غير موجود، ولكن المنظومة السياسية نجحت في تكريسه مسلماً يجب الحفاظ عليه والا الخراب.
استثمر الكبير والصغير في هذا المفهوم، فقد نجد بعض النواب الذي نجحوا في دورة برلمانية او دورتين، يورثون سياسياً من دون إرث حتى. أما في البيوت السياسية "العريقة"، الحالة جدية وحادة جداً. فحرصاً على استمرارية هذا المفهوم وترسيخه، قد نجد أطرافا سياسية متعارضة لكن حريصة بشكل رهيب ومُريب على ديمومة مسيرة بعضها البعض السياسية. خطاب استجداء العطف من موقع المُهدد بالإلغاء هو خطاب مدروس وموجود غب الطلب بعباراته الرتيبة والمكررة.
الحالات المشابهة لتسكير البيت السياسي ذات السور الطائفي، هي الإلغاء السياسي. وما يميز هذه الحالة هي ارتكازها بشكل أقل على الإرث السياسي والغطاء الطائفي، وبشكل أكبر على "المحبة" المكتسبة شعبياً والخطاب الشعبوي.
قد يأتي "المغبونون" بالخطاب الوطني الفارغ، طبعاً الخطاب الوطني الحقيقي الجامع فعلاً ليس فارغاً، ولكن ما نتحدث عنه هنا هو الخطاب الشعبوي الوطني الخالي من اية قيم حقيقية. هذا الخطاب الرنان المُعد خصيصاً للمنابر والحفلات، فغالباً ما يغيب هذا الخطاب الوطني من "مقاطع الفيديو المسربة" في الجلسات الخاصة والاجتماعات الحزبية الضيقة ويستعاض عنه بخطاب طائفي تحريضي.

 

الخطاب الوطني الرنان أصبح رائجاً، لكن هل هناك وطنية دون قيم إنسانية؟
سهل جداً تحديد الخطاب الوطني الشعبوي الفارغ من الخطاب الوطني القيمي الجامع. أي وطن دون قيم العدالة والمساواة والعيش الكريم؟ ما هي هذه الوطنية في هذا الخطاب عند "الشعبويين الجدد" الذي لا يعترف بحق الأم اللبنانية بإعطاء الجنسية لعائلتها مثلاً؟ ما هو هذا "التطرف للبنان" في الخطاب الذي يمكن أن يحول في ساعات قليلة شوارع لبنان الى ساحات حرب. شوارع يموت فيها لبنانيون بسبب التحريض المذهبي الفتنوي؟ وغيرها من الأمثلة عن غياب لاية قيم مواطنة حقيقية عن هذا الخطاب.

 

ما هو المشترك بين الخطابات الشعبوية؟
نحن "الناس" المتضررون من هذه المنظومة السياسية-الإقتصادية، اصبح سهل علينا تحديد المشترك بين الخطابات الشعبوية، فكلها تغيب عنها مصالح الناس الحياتية الحقيقية. هذه ابرز الخطابات الشعبوية ذات اهداف شخصية ضيقة:
خطاب التهويل بالإلغاء السياسي او تسكير البيت،
خطاب الاستعطاف الزعماتي،
خطاب التحريض الطائفي،
خطاب الكراهية والتمييز العنصري،
خطاب الوطنية الفارغة.

 

كيف نواجه الخطابات الشعبوية؟
قد تجتمع الآراء أن الناس في لبنان مسيسون إلى حد كبير، لكن هل يمارسون السياسة فعلاً؟
الجواب واضح تماماً: هناك عدم انخراط بالعمل السياسي الصحيح. وغياب الانخراط في العمل السياسي مباشرة من خلال الإنضمام والإنتظام في الأحزاب والمجموعات السياسية والحركات النقابية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من مساحات النشاط الفعلي، حَوَّل الناس في لبنان الى مجموعات مناصرة وأدوات للسلطة لتوجيه الخطاب بالاتجاه الذي يخدم مصالحها.
غياب النشاط السياسي الحقيقي لا الإفتراضي أضعف الحراك السياسي الفعلي المبني على مجهود ونضال مجموعات في قضايا الناس الحياتية وآليات المحاسبة السياسية، وبالتالي اضعف التأثير على الرأي العام وأفرغ الخطاب السياسي العام من الحديث عن مصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية المباشرة.

 

كيف نجحت المنظومة بتوجيه الخطاب العام؟
ينغمس الناس في التحليلات السياسية والتاريخية للأحداث ويبنون موقفهم السياسي ولصالح أي طرف يقفون نتيجة هذا التحليل، ويغيب عنهم تماماً ان أحداث هذا الحدث السياسي الآني لم يحقق اياً من مصالحهم المباشرة.
اذاَ، آثار الغياب عن العمل السياسي المباشر والإستعاضة عنه بموقف على وسائل التواصل الإجتماعي وعدم النضال الفعلي في سبيل منطلقات سياسة ما، هو رصيد مهم للمنظومة لديمومة عملها وهو ضرب لأي مجتمع متضرر وضرب لحياة سياسية ديمقراطية حقيقية.
هذا الغياب سيسمح باستمرار الخطاب العاطفي والغرائزي والشعبوي وسيقطع الطريق على اية محاولة اصلاحية بنيوية في الحياة السياسية اللبنانية.

 

__________