Hani-1

هاني عضاضة - من تاريخ الحركة الطلابية في لبنان.

4 ايار 2020

مهّد إنشاء الجامعة اللبنانية الطريق أمام بروز حركة طلابية قوية في الستينيات، إذ لعبت الجامعة دوراً أساسياً في تكوين وتفعيل الحركة الطلابية والهيئة التعليمية في القطاع الرسمي والجامعة اللبنانية، فأضحت هي العنصر الحاسم في أي تحرك طلابي.

صدر المرسوم رقم 6267 في تاريخ 20 تشرين الأول 1951 وقضى بإنشاء معهد عالٍ يطلق عليه إسم «دار المعلمين العليا». وفي 6 شباط في العام 1953، أُصدرت المراسيم الاشتراعية التي تأسست بموجبها الجامعة اللبنانية بصورة رسمية، حتى العام 1959 حيث صدرت مراسيم إنشاء الكليات الموجودة في الوقت الحالي وأولها كلية الآداب والعلوم الإنسانية.

لم تنشأ الجامعة اللبنانية إلا بإرادة الطلاب والجماهير الشعبية التي أدركت أن قضية إنشاء جامعة لكل الناس هي قضيتها. فوجود جامعة وطنية في لبنان كان يمثل مساهمة فعّالة في تأمين التعليم الجامعي المجاني لأبنائها المحرومين منه، في زمنٍ كان فيه التعليم متاحاً لأولاد الإقطاعيين وميسوري الحال فقط. وما كانت تحركات الطلاب والتظاهر والصدام مع قوى الأمن الداخلي في حزيران 1951، واستشهاد طالب الجامعة اليسوعية فرج الله حنين (أول مسؤول لقطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي في حينها)، الذي يعتبر أول شهيد في سبيل قيام الجامعة اللبنانية، وسقوط عشرات الجرحى، إلا نتيجة اقتناعٍ بالمطالب التي حملها الطلاب وحاربوا من أجلها، بدءاً من المطالبة بتأسيس جامعة وطنية وصولاً إلى انتشارها على مساحة البلاد وانتظام العمل فيها.

كانت الحركة الطلابية قبل الحرب الأهلية، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، خزّان كل حراكٍ شعبي مطلبي. كانت هي الحركة النقابية الأقوى، والأوسع امتداداً وتأثيراً في الشارع، وأمل كل حراك يهدف إلى تغيير قانون ما، أو استحداث تشريع ما، أو تطوير برامج التعليم، أو تحسين الأوضاع المعيشية، أو تصويب سياسات الدولة اللبنانية تجاه القضايا العربية والإنسانية، ومنها القضية الفلسطينية التي قامت الحركة الطلابية بتبنّيها.

وفي بداية سبعينيات القرن الماضي، كانت الجامعة اللبنانية تنافس الجامعتين الأميركية واليسوعية في مستوى التعليم والبرامج، بالرغم من إمكاناتها القليلة، بفضل نضال حركتها الطلابية والموقع النقابي للأساتذة الجامعيين. وكانت الجامعة اللبنانية منذ تأسيسها في العام 1951 مجموعة كليات صغيرة، لتتحول في وقتٍ لاحق بفعل النضالات والنمو والتطور إلى الجامعة الأكبر في لبنان بكلياتها النظرية والتطبيقية.

على الرغم من إنشاء الجامعة اللبنانية، اتبعت الدولة سياسة «عدم المبالاة» تجاه التعليم الرسمي بشكل عام، وتجاه الجامعة اللبنانية بشكل خاص، الأمر الذي دفع بطلاب وأساتذة الجامعة في العامين 1967 و1968 إلى تنفيذ سلسلةٍ من الإضرابات نجحوا خلالها في تحقيق مطالب عدة، منها تأمين مشاركة الأساتذة والطلاب في إدارة الجامعة، وتسيير الإدارة ذاتياً عن طريق المجالس التنفيذية، بالإضافة إلى تحقيق استقلالها المالي والإداري تحت إشراف المجالس مما يمنع تدخل السلطة، ويحقق حرية الرأي والنشر وحق تشكيل الأدوات النقابية. الطلاب، لم يتوقفوا عند هذا الحد، إذ استكملوا إضراباتهم وتظاهراتهم في العام 1970، فأرغموا الدولة على إصدار قرارات تتعلق بنظام المنح للمتفوقين والمحتاجين، وإيفاد الطلاب المتفوقين للتخصص في الخارج في مختلف الاختصاصات العلمية، بالإضافة إلى إصدار قانون التفرغ للأساتذة. وبدأت مراسيم الكليات التطبيقية بالظهور، وتم بناء كلية العلوم في الحدث كخطوة أولية نحو بناء المدينة الجامعية، فضلاً عن وضع خطة لبناء كلية الآداب وعدد آخر من الكليات.

وفي العام 1970 كانت أول تظاهرة حاشدة رفع فيها الطلاب 22 مطلباً عُرفت باسم «شرعة 22»، أبرزها الكليات التطبيقية، البناء الجامعي، مشكلة المتخرجين، الإدارة بالمشاركة، بالإضافة إلى مطالب تتعلق بأوضاع ونواقص الجامعة الداخلية. هكذا، فرضت «شرعة 22» نفسها معادلة صعبة على الوزراء المتعاقبين، الذين لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه إصرار الطلاب على تحقيق مطالبهم.

تشكّل الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية عام 1971، وتم إصدار القرار تحت ضغط التحركات الطلابية.

ساهم وجود الاتحاد في بلورة و«مأسسة» برامج ومطالب الحركة الطلابية، إذ استكملت الحركة ما بدأته في الستينيات، وارتكز برنامجها على مطلب «ديموقراطية التعليم». وكان الهدف الأساسي لهذه المطالب، في ظل غياب سياسة تعليمية للدولة، هو دعم وتطوير التعليم الرسمي وتوسيعه ليتناسب مع المتطلبات والحاجات، مثل إنشاء الكليات التطبيقية، واستكمال البناء الجامعي الموحد لمختلف الكليات، وتأمين المساكن الطلابية، وإنشاء تعاونيات استهلاكية وتوسيع الملاك التعليمي المتفرّغ، وإصدار شروط الدخول إلى الملاك في الكليات والمعاهد، وإلغاء مباراة الدخول إلى الجامعة، وتطبيق الضمان الصحي، وزيادة المنح الوطنية، وإنشاء المختبرات والمكتبات، بالإضافة إلى مطالب خاصة لكل كلية، ومطالب لقطاع التعليم المدرسي (الثانوي، المتوسط، الابتدائي).

لم يتوقف النضال الطلابي عند هذا الحد، إذ شهد العام 1971 حراكاً طلابياً اعتبر الأقوى في تاريخ النضال الطلابي. ففي هذا العام، تصدرت أخبار الاتحاد الطلابي الصحف، إذ أقدم نحو 10 آلاف طالب على قطع طريق المطار لمدة ساعة، وقاموا بالاشتباك مع رجال الأمن ما أدى إلى سقوط 40 جريحاً. كما قام الطلاب بالسيطرة على كل مباني الكليات في الجامعة اللبنانية التي بلغ عددها آنذاك 5 كليات، والمعاهد التي بلغ عددها 3، فيما عقد مجلس الجامعة أول اجتماع له بمشاركة 6 طلاب، وتم تشكيل لجنة من الطلاب والأساتذة لتحضير مشروع قانون معجّل في غضون 24 ساعة يقضي بتعديل نظام الجامعة اللبنانية، بغية إشراك الطلاب في مجالس الكليات والمعاهد وفي مجلس إدارة الجامعة.

هذا التحرك كان يهدف وغيره من التحركات إلى تأكيد إصرار الاتحاد على تحقيق المطالب، وأبرزها رفع مستوى التعليم الجامعي في لبنان والدفاع عن حقوق الطلاب. من هنا، وبعد النجاحات التي حققتها القطاعات الطلابية، أقام الطلاب استفتاءً واسعاً أقرّ صيغة التمثيل النقابي المنتخب ديموقراطياً، تبعها انتزاع حق تأسيس الروابط والاتحادات الطلابية في الجامعات الخاصة والأجنبية وهي: مجلس الطلبة في الجامعة الأميركية، اتحاد الطلاب في الجامعة اليسوعية، اتحاد طلاب جامعة بيروت العربية، والحكومة الطلابية في كلية بيروت الجامعية. وعلى الأثر، ازداد التنسيق بين الاتحاد الوطني والاتحادات والروابط الأخرى، وتوسع التمثيل الطلابي إذ بلغ عدد الاتحادات والروابط الطلابية في مختلف القطاعات في العام 1974 أكثر من 50 اتحاداً ورابطة.

لم يكن طلاب اللبنانية والقطاع الرسمي هم الوحيدين في الميدان، بل جمعت المطالب جميع فئات المجتمع والقطاعات. ففي شباط 1971، نفذ طلاب الجامعة اللبنانية إضراباً عاماً استمرّ أكثر من شهرٍ بدعوة من الاتحاد، فتضامن معهم اتحاد طلاب الجامعة اليسوعية بإعلانهم الإضراب العام المفتوح. وللجامعة الأميركية أيضا دورٌ بارز في الحركة الطلابية. ففي العام نفسه، نفذ طلاب الجامعة الأميركية إضراباً طويلاً احتجاجاً على زيادة الأقساط أدى إلى حدوث اشتباكات بين القوى الأمنية والمتظاهرين من الطلاب. أما في العام 1974، فقد شهدت الجامعة الأميركية تطوراً أمنياً لافتاً، إذ اقتحمت القوى الأمنية حرمها واعتقلت عدداً من الطلاب الذين شاركوا في الإضرابات والاعتصامات التي دعا إليها اتحاد الطلبة في الجامعة. فما كان من الاتحادات والروابط إلا أن أعلنت تضامنها مع تحرك الجامعة الأميركية.

شهدت تلك الفترة احتجاجات لطلاب المدارس أيضاً، في مسعى للتضامن مع طلاب الجامعة الأميركية، فردت القوى الأمنية بقمع الطلاب وضربهم واعتقالهم والاشتباك مع الأساتذة، ما تسبب باتسارع رقعة التظاهرات في كل من محلّتي الأونيسكو والكولا. وفي 10 آذار، قامت أجهزة الدولة بقمع تظاهرة طلابية أخرى ما أدى إلى سقوط عدة جرحى.

استمر الاتحاد في الإضراب، وصعّد من تحركه من أجل الضغط أكثر حتى تحقيق المطالب، فما كان من هذا التصعيد إلا أن أثمر نتائجه، إذ أرغمت لجنة التربية النيابية آنذاك برئاسة جورج سعادة على عقد جلسة في 26 آذار من العام 1971 لمناقشة ودرس مطالب الجامعة اللبنانية.
وقد يصلح إطلاق تسمية «عام الغضب» على العام 1972، إذ لعبت الحركة الطلابية دوراً رئيسياً في التحركات الشعبية اللبنانية، وبالعلاقة مع النهوض الديموقراطي الشعبي العام، فشكلت طليعة التحركات العمالية والشعبية وتضامنت مع قضاياها في وقتٍ واحد، حتى في الموقف من قانون الإيجارات وفي مواجهة القمع.

في العام 1972، دعت «اللجنة الطلابية لاستمرار المعادلات» إلى التظاهر، حيث نظّم طلاب الجامعة اللبنانية نحو 20 تظاهرة «طيّارة» في يوم واحد. أما في «يوم الغضب في الجامعات» في 6 نيسان، فقد اشتبك طلاب الأميركية مع قوات الأمن لمدة 6 ساعات متواصلة، وقطع طلاب الجامعة العربية الطريق أمام كلية التربية فرمتهم القوى الأمنية بقنابل الغاز. كما قطع طلاب الحقوق في اللبنانية واليسوعية عدة طرقٍ أخرى.

بعد الانتخابات الطلابية في العام 1974، عدّل الاتحاد من خطة عمله من خلال تحديد عدد من الخطوات لتحقيق الأهداف، وهي: إلغاء الإضراب المفتوح للطلاب بعد التنبه إلى أن الإضراب قد يحد من فاعلية التظاهرات، تنظيم تظاهرات (تضم كل من الجامعة اللبنانية، الأميركية، العربية، واليسوعية، بالإضافة إلى بعض المدارس والجامعات) حاشدة إلى مجلس النواب عند كل جلسة، تصعيد الإضراب والتوجه إلى وزارة التربية، و«احتلالها». لم تستجب السلطة لمطالب الطلاب، إذ تم قمع التظاهرات، وعمدت القوى الأمنية إلى تشتيتها. وأعاد الطلاب المحاولة، وهذه المرة، انطلقت التظاهرات من الجامعة الأميركية نحو وزارة التربية، كذلك تخللت التحرك أعمال عنف وتكسير في وجه إصرار السلطة على القمع وتجاهل المطالب. ومع استمرار الضغط الكبير الذي مارسته الحركة الطلابية، أصدر مجلس الوزراء في ذلك العام (1974) مرسوماً ببعض المطالب منها إنشاء كلية هندسة وكلية زراعية، بالإضافة إلى رصد مبلغٍ من المال لإنشاء البناء الجامعي - كلية التربية، كلية الآداب - والضمان الصحي. أما في العام 1975، فكانت آخر انتخابات للاتحاد قبل اندلاع الحرب الأهلية.

دمرّت الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975 الحركة الطلابية وشرذمتها بالكامل، فألغيَ الإتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، وتمت مصادرة الاستقلالية الأكاديمية والديمقراطية للجامعة عام 1977 عبر وضعها تحت سلطة الوزير الذي فرض النظام السوري تعيينه من خلال المرسوم الاشتراعي رقم 115 الذي كرّس عملياً حلّ الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، وحدّ من صلاحياته ودوره في مجلس الجامعة، ما أثر على الحياة الديموقراطية التي عرفتها الجامعة. كما تسبب ذلك بإضعاف الحركة الطلابية في الجامعات الخاصة، فالإتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية كان الحاضنة الأساسية للحركة الطلابية بأسرها.

شارك عددٌ كبيرٌ من الطلاب في الحرب البشعة بعد تسلّل الفرز الطائفي والمناطقي إلى الحركة الطلابية، لتفقد الحركة قدرتها على التجدّد بعد انتهاء الحرب، ويتقوقع الطلاب كلٌ في حزبه وطائفته. هكذا تمّ إخضاع الحركة الطلابية للديناميات السياسية الطائفية.

ألقى غياب الحركة الطلابية الموحّدة بثقله على الشارع المطلبي والسياسي المعارِض، وكان ذلك الفراغ نقطة الضعف الأساسية في الحراكات المطلبية الكبيرة خلال حراك "إسقاط النظام الطائفي" عام 2011 والانفجار الشعبي إبان "أزمة النفايات" عام 2015. كان لغياب العمل الطلابي المنظّم دورٌ كبير في تراجع الشارع المطلبي، وتفتّته من الداخل، فالطلّاب هم خزّان الانتفاضات والحراكات المطلبية في بلدٍ يفتقد إلى الحركة العمالية النقابية القويّة، بسبب طبيعة اقتصاده المعادي للإنتاج، ونظامه السياسي النيوليبرالي المعادي لحق العمال بالتنظّم النقابي خاصةً في القطاع الخاص.

شهدت الحركة الطلابية حالة تعبئةٍ غير مسبوقة في تاريخ البلاد خلال تشرين الثاني 2019، بعد عشرين يوماً من اندلاع انتفاضة 17 تشرين. استردّ الطلاب الشوارع لفترة أسابيع، فنجحوا بإغلاق معظم المدارس والثانويات والجامعات، وتحدّوا قمع إداراتهم وتهديداتها، وأعلنوا الإضراب المفتوح، وأطلقوا المسيرات والتظاهرات في جميع مدن وقرى لبنان. كان خطاب الطلاب لافتاً من حيث مدى جذريّته ورفضه للوضع القائم برمته، وبالأخص للصيغة الطائفية لنظام الحكم السياسي. انتظر الطلّاب عشرين يوماً منذ بدء الانتفاضة حتى قرروا إثبات قوة تأثيرهم في مجريات الحياة السياسية عندما احتلّوا الشوارع وأظهروا أن وعياً بديلاً وثورياً ينمو بشكلٍ متسارعٍ وغير متوقّع في أحشاء المجتمع اللبناني، لكن تحرّكاتهم اتّسمت بالعفوية والغضب، ولم تثمر بعد عن تشكّل حركةٍ طلابية منظمة وموحّدة.

المصادر:
- إميل شاهين "الجامعة اللبنانية – ثمرة نضال الطلاب والأساتذة"
- عماد الزغبي "الحركة الطلابية في لبنان – 50 عاماً من النضال"
- ملحق شباب السفير (2011-03-29)