Talal-1

طلال زيدان - مسار التغيير وهاجس الوحدة

1 آذار 2020

"بدنا لبنان دائرة انتخابيّة وحدة".. "لأ، بدنا لبنان دوائر انتخابيّة موسّعة".. "ما رح يمشي الحال إلّا بدوائر فرديّة"... هذا جزءٌ من النقاش الذي نشهده اليوم في الوسط السياسي التغييري، ما يعكس تعدداً في الرَّأيِ والرؤيةِ، لتبقَ إرادة التغيير المشترك الجامع المتَّفق عليه في دوائر المجموعات المغلقة، فنعود ونعود الى دوامة توحيد الخطاب والمطالب ونبقى أسرى معتقل هاجسه الوحدة، فينتهي بنا المطاف في صفوفٍ موحَّدةٍ، ظاهرها جسمٌ صلبٌ وباطنها بديلٌ سياسيٌ ركيكٌ وخطابٌ رماديٌ "جامعٌ " جامدٌ ذو جسدٍ موحّدٍ وقلوبٍ متضاربةٍ.

في الْعشرِ سنوات الماضيّة استرجعت جبهات التغيير قواها واتخذت قراراً في مواجهة الطُّغمة الحاكمة وكان لها عدَّة محطات نستذكر بعضها، على سبيل المثال لا الحصر: الحراك الذي بدأ عام 2011 مع بدء الربيع العربي والَّذي طالب باسقاط النظام الطائفي مروراً بحراك الـ 2015، الذي أتى نتيجة تقاعس الدولة في إدارة أزمة النفايات آنذاك، وصولاً الى الانتخابات البلديّة والمعارك النقابيّة والانتخابات النيابيّة عام 2018. وفي غالبيّة هذه المحطات النضاليّة كانت معظم الجهود تنصبّ في توحيد الصفوف والسعي الى خلق جسم معارض تنصهر ضمنه كافةَ المجموعات والأفراد، من اليسار الى اليمين فهذا لا يهم إِنَّما المهم أنّ نُظهرَ قوانا كجسدٍ موحَّدٍ، أما القلوب المتعدّدة داخله فهذا موضوع نقاشه مؤجل ويبقى في الدوائر الضَّيقة كي لا يظهر تشتت باطن الجسد لِلْعلنِ، ظناً منَّا أنَّ العلن لا يَرى ما يَكمِنُ في قلبِ الحراكِ. وكنتيجةٍ غير مُفاجئةٍ يكونُ الخطابُ البديلُ وسَطياً رمادياً ترضى عنه كل القوى التَّغييريَّة بِصرفِ النَّظر عَنِ المضمونِ إذّ أنه كالعادة، يناقش لاحقاً.

نجح هذا الجسد الموحّد في العديد من المحطات، فقد خاض الانتخابات البلديّة، النقابيّة، والنيابيّة واستطاع خلق خروقات جميلة رغم تواضعها، وما لبثنا أنّ انتهينا من هذه المحطات الإنتخابيّة حتَّى انهار هذا الجسد الصَّلب من قوة التدافع في قلوبه المتعدّدة، حيث أَنَّ دماء هذا الجسد لا يمكن أنّ تُضخَّ مِن عدَّة قلوب لأنّ النتيجة الحتميّة هي صراع في شرايين الجسد ما يؤُول الى "جلطة" تقضي عليه، باطناً وظاهراً، فيصبح الجسد تفصيلاً ثانويًّا مُنهكاً لا قيمة له ولا يأبه له إلّا عرّابيه. وهنا يقع المحظور، إِذْ أَنَّ صلابة الجسد المُصطنعة انهارت أمام العلن وانهارت معها ثقة الناس بها.

كيف لنا إذاً أنّ نكسب ثقة الناس؟ كيف لنا أنّ نكسب ثقتهم ونحن منفصلين عن واقِعهم ونبَضِهم؟ كيف لنا أنّ نُنَاشِد بالتَّغيير ونحن عالقون بِوسَطِيَّة الجسد الباهتة. فعلينا بعد هذا المخاض أنّ نعترف أنّ الناس ناشطين كانوا أو غير ناشطين، بإِمكانهم إدراك رمادية حراكنا.

أتت ثورة 17 تشرين وبدَّلت معها كلَّ المعايير، فهذه المحطة امتلكتها الناس في كافة المناطق، امتلكتها الناس التي سارت أمام المجموعات لا خلفهم وقالت للجميع "الأمر والقوّة لي" فكانت معها مشهديّة تشرين التَّاريخيّة الَّتي طغت على المشهدِيَّات الَّتي صنعها الجسم الموحّد، وبدأ معها انتظاماً لامركزياً للساحات عكس إرادة الناس باستعادة القرار وأخذ المبادرة لصنع البديل. وبالحديث عن البديل، يَبرزُ اليومَ السؤالُ الأهمُّ "ماذا بعد؟" لتبرز معه الضغوطات والمساعي لتوحيد الصفوف مجدداً، وبطبيعة الحال العودة الى نقطة الصفر... ""بدنا لبنان دائرة انتخابيّة وحدة" ... "لأ، بدنا لبنان دوائر انتخابيّة موسّعة"... "ما رح يمشي الحال إلّا بدوائر فرديّة".

اليوم، الثابت الوحيد هو أنَّ إرادة الناس بالتغيير المنشود لَمْ تنتهِ، هذا التغيير الذي يحتاج الى رؤيةٍ سياسيّةٍ ذي ألوانٍ فاقعةٍ يمكنها وبكل ثقة أَن تصرخ بوجه ألوان الأحزاب الزائفة ومنظومة الفساد والمحاصصة لتقول كلمتها النابعة مِن إرادة الناس، لتقول بِكلِّ جُرأةٍ أنَّنا بتنا جاهزين لِلْتغييرِ.

كيف لنا أنّ نصل إِلى ألوانٍ فاقعةٍ إذا ما أصرَّيْنا على الوسطيّةِ الرَّماديّةِ الباهتةِ، الَّتي تسعى الى صهر الألوان المتنوعة فيها للايحاء بأنَّها "جامعة"!

إرادة التغيير تحتاج الى طروحاتٍ واضحةٍ وتموضُعاتٍ سياسيّةٍ بارزةٍ للعلن، وقد تلتقي المسارات وقد لا تلتقِ، ولكن تعدُدَ الأجساد صاحبة القلوب الصَّلبة سيؤول الى فرض الجسد التغييري الأقوى نفسه، الجسد الذي يستطيع كسب ثقة الناس. ومن الصعب للأجساد الآتيّة من فكرٍ نُخبويٍّ، مُسقِطَةً نفسها كبديل تغييري على الناس، أنّ تنجح في كسب ثقتهم. الجسد الأقوى هو الذي يأتي من الناسِ نفسها، الناسُ التي ترسم شكله بحسب تطلعاتها ورغباتها، فيكون انعكاساً لها وليس مُسقطاً عليها. ومع تعدّد الأجساد نسترجع للحياة السياسيّة زخمها ونبضها، ونسترجع معها النقاش الذي يعيد للناس حقّهم في صنع القرار والبديل المنشود. أمّا هاجس الوحدة، فيصبح جسداً منضوياً تحته عرَّابوه، مثله مثل باقي الأجساد، فلا يمكن للمرء إلغاء التنوع والاختلاف الذي لا ينتج عنه سوى بدائل لأنظمة جامدة انصهاريّة كالأنظمة المجاورة لنا.