Imad Amer

عماد عامر - النقابات للناس

20 شباط 2020

النقابة مش ملك السلطة.. النقابة عملوها الناس

تحاصصت الاحزاب النقابات و عطلت دورها المدافع عن الحقوق لمعرفتها التامة ان النقابات و العمل النقابي المنحاز بطبيعته وجوهره للناس سيكون حجر عثرة امام مشاريع التقسيم الطائفي و نهب الحقوق و اضعاف الناس، خدمة لمشروع تسويح الناس امام قصور السياسيين استجداء لخدمة من هنا و وظيفة من هناك، و تعاطت هذه الاحزاب مع النقابات كمكان خدماتي تستطيع من خلاله تغذية الزبائنية السياسية وتجيير قدرة النقابات المالية لخدمة المشاريع الريعية و الكوميسيون، وعطلت اي استثمار حقيقي منتج لاموالها، كما عطلت دور الاتحاد العمالي العام وسيطرت عليه مانعة اي قدرة على اعلان الاضراب العام والشامل في البلاد وبالتالي منع اي قدرة للناس على تعطيل البلاد والقطاعات.

في خضم ثورة 17 تشرين انكشفت حقيقة الوضع الاقتصادي والمالي، ومعها مدى الاهتراء في الجسم النقابي اللبناني، حيث لم نر اي جسم نقابي يتحرك لمؤازرة اللبنانيين و اللبنانيات في تحركاتهم و اضراباتهم، ولم يساهموا في رفع قضايا الفئات المهمشة والمسحوقة، بل تصرفوا باوامر السلطة السياسية الطائفية و كانوا شاهد الزور في قضم حقوق الناس خدمة للاوليغارشية الحاكمة من اصحاب راس المال والسلطة السياسية و سلطة السلاح.

هذا التخاذل النقابي ادى لتحرك الناس لسداد ثغرة النقابات، فكان قطع الطرقات بديلا عن اعلان الاضراب العام، و كان تحرك المهندسين لاقفال نقابة المهندسين في 25 تشرين اول تضامنا مع ثورة 17 تشرين بعد تخاذل النقابة و النقيب عن اعلان موقف جريء وواضح منحاز للناس وغالبية المهندسين، وكان التحرك في نقابة المحامين و الصيادلة و الاطباء و غيرهم.. و كان تحرك اخر امام مجلس الانماء والاعمار وشركة الكهرباء وسد بسري ومجلس الجنوب، وكان تحرك الطلاب على وزارة التربية وفي الجامعات..

بناء على ما تقدم، برز في الشارع اهمية العمل النقابي وتبلور احد اهداف الثائرين والثائرات: "معركة استعادة النقابات".. وفرضت ثورة 17 تشرين روحيتها اللامركزية و التشاركية، فقلبت الطاولة على العمل النقابي الكلاسيكي للقوى النقابية والاحزاب المركزية، ليتحول البناء النقابي من هرمي تسقط فيه البرامج و الاشخاص من الاعلى للاسفل، الى بناء قاعدي حيث تنتظم القطاعات في اطر تشاركية وهي التي تحدد برامجها النقابية، وتفرز من يمثلها ويحمل همومها وتطلعاتها، فكانت معركة نقابة المحامين التي تكللت بنجاح النقيب ملحم خلف الذي خرج من الساحات الى نقابة المحامين منتزعا شرعيته من مواقفه وتاريخه وممارسته في الشان العام  لا من شعارات رنانة ولا من "بدلة" و ربطة عنق، ولا من موقع اجتماعي مرموق او شهادات اكاديمية رفيعة.

ملحم خلف اعطى بعدا حقيقيا لمعنى الانحياز النقابي للناس والذي اثبت اهمية استعادة النقابات لدورها الحقيقي والقوة المضافة التي تحملها النقابات في حال عادت لاصحابها الحقيقيين، و عليه فان انتظام القطاعات اليوم في اطر مهنية واضحة، منحازة للناس، تشاركية ولامركزية، ذات اهداف نقابية، سياسية، اجتماعية واقتصادية، هو السبيل لخوض معارك النقابات والتعبير الحقيقي عن ارادة المهنيين و المهنيات واستعادة النقابات من المنظومة الحاكمة.

غيرت 17 تشرين كافة المفاهيم واليات العمل المعتادة، وكرست مبدا التشاركية واللامركزية. وعليه، يستعد المهندسون والمهندسات الثائرون/ات لخوض معركة نقابة المهندسين بعد 5 اشهر على انطلاق ثورة 17 تشرين.

هذه المعركة تحمل معان عدة و قد يكون شكل خوضها مهما ومفصليا بقدر نتائجها، على مسار الثورة و تكريسا لنهج جديد في المسار السياسي والنقابي على مستوى البلد و النقابات كافة. وهذا الاستحقاق سيخاض على ثلاثة محاور اساسية، اولهم خلق اطار عمل تشاركي قاعدي لامركزي يسمح للمناطق بان تكون في صلب صنع القرار وليس على هامشه، كما يبني خطابه وتوجهاته من توجهات المهندسين والمهندسات وهمومهم. وثانيهم بلورة البرنامج والمعايير، والمحور الثالث اختيار الشخصيات النقابية الذين سيحملون برنامج المهندسين/ات.

هذه المعركة هي معركة استعادة المعنى الحقيقي للعمل النقابي وهو الانحياز لمصالح المهندسين و المهندسات، من خلال برنامج يحمل نهج و قيم 17 تشرين من التحول من النظام الاقتصادي الريعي الى اقتصاد منتج تلعب فيه النقابة والمهندسين/ات دورا اساسيا ببناء القطاعات المنتجة ودعمها والاستثمار فيها من خلال رآس المال البشري والمالي، وتحمل مسؤولياتها المجتمعية اتجاه المهندسين/ات و المجتمع ككل. الى تفعيل مراكز النقابة في المناطق انطلاقا من مبدا الامركزية و اهمية اشراك المناطق بالعمل النقابي، وتفعيل دور المهندسين برسم السياسات الانمائية المحلية والوطنية، وتمكين المهندسين الشباب عبر خلق مراكز عمل داخل النقابة وفروعها في المناطق لتعزيز التشاركية وتبادل المعرفة والتشبيك الى الدور الحمائي الذي يجب على النقابة لعبه بحماية البيئة والاملاك العامة والارث الثقافي المبني وغير المبني، الى المساهمة برسم سياسات اسكانية شاملة تخدم الحق بالسكن وتخرج هذا الحق من دائرة المضاربات العقارية والقروض المصرفية. وصولا الى اسقاط المفاهيم الطائفية القائمة على المحاصصة بين احزاب السلطة.

ومن خلال اعادة انتاج معايير تقدمية للمرشحين و المرشحات مبنية على تاريخهم النقابي والمهني والنظالي في الشان العام وفي النقابة واستعدادهم لخوض معارك الاصلاح والمواجهة مع المنظومة الحاكمة، مرشحون ومرشحات يخرجون من ساحات 17 تشرين لنقل خطاب الشارع وروحيته وهمومه لمركز القرار واستعدادهم للبقاء في الشارع وعدم الانفصال عن واقع المهندسين/ات، فالمرشحون لن يقاسوا بمركزهم الاجتماعي ولا بقدرتهم الخطابية ولا بالكاريزما او عدد الشهادات الاكاديمية بل بمقياس معايير وتطلعات وخطاب 17 تشرين.

الى معركة نقابة المهندسين تتجه الجهود، والامل في خرق جدار السلطة من جديد بانجاز نوعي يراكم على انجازات الثورة و يعيد نقابة جديدة للانحياز للناس وبناء مدماك اساسي في معركة استعادة النقابات، لان النقابات مش ملك السلطة..... النقابات عملوها الناس.