ما وراء تصريحات معوّض

بيار خوري

تشنّ مجموعةٌ من القوى التقليديّة، الّتي سبق لها أن شاركت في السلطة، حملةً عدائيّةً على مجموعاتٍ سياسيّةٍ معارضةٍ، وبالأخصّ على تنظيم "لِحقّي".

تلجأ هذه القوى، ذات التاريخ المثير للجدل، إلى أساليب دعائيّة كاذبة، وذلك لتضليل الجمهور الحذر أصلًا من كلّ ما هو سياسيّ في هذا البلد. آخر محاولات التضليل تمثّلت في ما تفوّه به السيّد "ميشال معوّض"، بأنّ "لِحقّي" هي "داعش" الانتفاضة والثورة.

هذه الشيطنة تندرج ضمن سياقٍ معروف. فهي تأتي بعد رفض تنظيم "لِحقّي" لأيّ تسلّلٍ انتهازيّ إلى صفوف قوى الانتفاضة، وبعد مواقف أطلقها تنظيم "لِحقّي"، هدفها التأكيد على ثوابته في العمل الجبهويّ: الأولويّة للبرنامج السياسيّ وليس للترشيحات الانتخابيّة - شفافيّة تمويل الحملات الانتخابيّة - استقلاليّة قوى الانتفاضة حيال كلّ الأطراف الخارجيّة، شرقًا وغربًا.

هذا الموقف الشفّاف والسياديّ والجذريّ لتنظيم "لِحقّي"، أزعج السيّد معوّض وكلّ من لفّ لفّه. ولا عجب في ذلك طبعًا!

هذه الشيطنة لها توقيتها المشبوه أيضًا، لأنّ ما يحصل حاليًّا في الكواليس يشير إلى وجود عملٍ منظّمٍ يهدف إلى فرض خيارات فلول النظام والخارجين من عباءته مؤخّرًا، على القوى الجديدة الّتي من المفترض أن تحمل مشروع البديل السياسيّ؛ ما يدفعنا إلى التفكير بجدّيّةٍ حول جدوى تحالفٍ انتخابيٍّ قائمٍ على اللهث وراء المقاعد والمصالح كهدفٍ وحيد، على حساب البرنامج والمعركة السياسيّة والخيارات السياسيّة.

وعليه، لا يمكن بدايةً لأيّ تقاربٍ انتخابيٍّ أن ينشأ بعيدًا من هدف الاستحقاق الانتخابيّ بحدّ ذاته. والسؤال الّذي يطرح نفسه هو: هل الانتخابات هي فرصةٌ لعرض الخطاب وإقناع الناس به تمهيدًا للوصول إلى البرلمان، أو فرصةٌ للفوز بمقعدٍ نيابيٍّ بغضّ النظر عن الأشخاص وارتباطهم المباشر وغير المباشر بالنظام الفاسد؟ فطريقة الوصول إلى البرلمان هي أهمّ من الوصول بحدّ ذاته. مرتكزات الوصول، سواء تعلّق الأمر بشفافيّة التمويل والبرامج وكيفيّة اختيار المرشّحات والمرشّحين، هي مؤشّرٌ واختبارٌ لمدى مصدقيّة قوى التغيير.

الشكل والمضمون هما أساس أيّ ثقةٍ، وليس الشكل وحده كما يدّعي البعض عندما يتهاتفون وراء فكرة التوحيد الّتي أصبحت "trending".

وال"trending" الآخر الّذي يستخدمه السيّد معوّض هو الزعم بوجود منطقٍ إقصائيّ، بحديثه عن "إلغائيّين"، وهي عبارةٌ يريد من خلالها شحذ العواطف وصولًا إلى شحذ مقعدٍ نيابيّ. عمليًّا، هذه العبارة مرتبطةٌ بعبارة "الاتّحاد" بين مجموعات الانتفاضة. والذريعة هي: لنتّحد كلّنا، منعًا للإلغاء، وذلك على حساب خيارات الناس. هذا هو منطق البعض، ومن بينهم معوّض! لكن في الواقع، إنّ هذا التوافق المزعوم مطروحٌ على شاكلة بدعة الديمقراطيّة التوافقيّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى تدمير الخيارات الّتي نؤمن بها. والتمسّك بالخيارات ليس إلغاءً لأحد، بينما الخيارات الخاطئة هي إلغاءٌ للنفس ولأمل الناس في التغيير.

نحن لن نتنازل عن إعادة هيكلة المصارف كما فعل السيّد معوّض. لن نتنازل عن فكرة قطع أيّ علاقةٍ مع هذه المنظومة، أكان بالمباشر أو بغير المباشر، كما يفعل السيّد معوّض من خلال ورود اسم وزير الماليّة الحاليّ السيّد يوسف كعضو مساهم في إدارة "مؤسّسة رينه معوّض". لن نتنازل عن حفظ كرامة الإنسان من خلال عدم اتّباع منطق الزبائنيّة، كما يفعل السيّد معوّض.

أخيرًا وليس آخرًا، لن نتحالف مع أيٍّ من أركان المنظومة الحاكمة ومن بينهم محور ما يسمّى بالممانعة، على غرار ما فعل السيّد معوّض في الانتخابات البلديّة السابقة، حين تحالف هذا "السياديّ" المزعوم مع السيّد سليمان فرنجيّة، وحين تحالف في الانتخابات النيابيّة الماضية مع "التيّار الوطنيّ الحرّ"؛ وهما من حلفاء حز ب الله ونظام بشّار الأسد في لبنان.